التوترات الجيوسياسية تعيد رسم المشهد النقدي.. هل يرجئ «المركزي» خفض الفائدة وتعود شهادات الادخار المرتفعة؟ بواسطة اسلام فضل 30 مارس 2026 | 12:23 م كتب اسلام فضل 30 مارس 2026 | 12:23 م البنك المركزي المصري النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 91 «فيتش»: البنوك المصرية في وضع جيد يجعلها تتحمل تداعيات حرب إيران محمد عبدالعال: تثبيت مرتقب لأسعار الفائدة وزيادة متوقعة للضغوط التضخمية إبراهيم عادل: موجة ارتفاع الأسعار قد تدفع لطرح أوعية ادخارية بعوائد أعلى دينا الوقاد: التشديد النقدي يظل مرهونًا بظهور ضغوط قوية على سعر الصرف مع بداية عام 2026، كانت التوقعات تميل إلى أن الاقتصاد المصري يقف على أعتاب مرحلة أكثر استقرارًا بعد سنوات من التقلبات النقدية الحادة، إذ كانت الأسواق المحلية تترقب الاستمرار في دورة التيسير النقدي وخفض أسعار الفائدة، مدفوعة بتراجع معدلات التضخم وتحسن تدفقات النقد الأجنبي. إقرأ أيضاً قفزة قوية في أسعار الذهب محليًا والجرام عيار 21 يسجل 7100 جنيه وزير المالية: زيادة الأجور بمعدلات تفوق التضخم وتحسن مؤشرات الدين مع ترقب مسار الفائدة.. أسهم البنوك تحت ضغط التوترات العالمية غير أن التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية، أعادت رسم المشهد الاقتصادي بصورة مفاجئة، ودفعت صناع القرار إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية بالكامل. فالتصعيد الإقليمي واتساع نطاق التوترات في الشرق الأوسط، أعادا المخاطر التضخمية إلى الواجهة، وأثارا تساؤلات واسعة حول قدرة البنك المركزي المصري على الاستمرار في مسار التيسير النقدي، خاصة في ظل اعتماد مصر على استيراد جزء كبير من احتياجاتها البترولية والسلعية، ما يضاعف حساسية الاقتصاد لأي اضطرابات في أسواق الطاقة أو التجارة العالمية، وهو ما جعل تداعيات الصراعات الجيوسياسية تنعكس سريعًا على مستويات الأسعار وسعر الصرف وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. من هذا المنطلق تتجه الأنظار إلى قرارات البنك المركزي المصري خلال الفترة المقبلة، وإمكانية العودة لسياسة التشديد النقدي، وعودة شهادات الادخار مرتفعة العائد إلى الواجهة مرة أخرى، فضلاً عن تأثير هذه التطورات على القطاع المصرفي وصافي الأصول في البنوك. بين الحذر والتشديد تحولات كبيرة شهدتها السياسة النقدية في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، إذ اتجه البنك المركزي إلى تبني سياسة نقدية تشددية لمواجهة موجة تضخم غير مسبوقة، وصلت ذروتها خلال عام 2023 عندما تجاوزت معدلات التضخم 38%. وفي إطار تلك السياسة، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية بلغت 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض في مارس 2024، قبل أن يبدأ لاحقًا دورة تيسير تدريجية خُفضت خلالها الفائدة بنحو 725 نقطة أساس خلال عام 2025، لتستقر حاليًا عند 19% للإيداع و20% للإقراض. وساهمت هذه السياسات، إلى جانب تحسن تدفقات النقد الأجنبي، في استعادة الاستقرار النقدي، إذ ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 52.7 مليار دولار، كما تراجع التضخم تدريجيًا إلى نحو 11.9% مع بداية العام الجاري. غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة السياسة النقدية على الاستمرار في مسار خفض الفائدة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا واضطرابات حركة التجارة الدولية. ففي مثل هذه الظروف، تتحول أولويات البنوك المركزية عادة من دعم النمو الاقتصادي عبر خفض تكلفة التمويل إلى احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار العملة المحلية. ومن ثم يجد البنك المركزي المصري نفسه أمام معادلة دقيقة تتطلب تحقيق توازن حساس بين أهداف متعارضة، تتمثل في حماية استقرار الأسعار ومنع عودة موجات التضخم المرتفعة، والحفاظ في الوقت نفسه على جاذبية الأصول المحلية أمام المستثمرين الأجانب، دون إجهاض التعافي التدريجي للنشاط الاقتصادي. تداعيات الحرب كشفت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني أن ربحية قطاع البنوك والاحتياطيات المصرية الكافية بالعملات الأجنبية من شأنها تعزيز قدرة القطاع على الصمود مقارنة بالوضع إبان الحرب الروسية الأوكرانية. وأوضحت أنه في ظل السيناريو الأساسي، الذي يفترض استمرار النزاع لأقل من شهر، من المتوقع احتواء المخاطر التي تهدد التصنيف الائتماني لمصر. وأضافت أنه في حال استمرار النزاع لفترة أطول أو ارتفاع أسعار النفط سيكون له تأثير أكبر على التصنيف الائتماني للبلاد. وذكر التقرير أن ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى ضغوط تصاعدية على التضخم في المدى القريب، وقد يُبطئ من وتيرة التيسير النقدي في مصر. صدمة عرض خارجية عدد من الخبراء أجمعوا على أن الضغوط الحالية تنتمي إلى ما يُعرف اقتصاديًا بـ«صدمة العرض الخارجية»، أي إنها ناتجة عن عوامل عالمية مرتبطة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، وليس نتيجة ارتفاع الطلب المحلي. وفي هذا الصدد، قالت دينا الوقاد، محلل الاقتصاد الكلي، إن التوترات الجيوسياسية الحالية في المنطقة تمثل ما يُعرف اقتصاديًا بـ«صدمة عرض خارجية»، خاصة مع تصاعد المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يولد بيئة تضخمية عالمية قد تمتد آثارها إلى الاقتصادات الناشئة، ومن بينها مصر. وأوضحت أن هناك ثلاثة مسارات محتملة للتضخم خلال الفترة المقبلة، يتمثل أولها- وهو الأرجح- في بقاء التصعيد ضمن نطاق محدود دون اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة، ما قد يؤدي إلى تباطؤ وتيرة تراجع التضخم وتحركه مؤقتًا في نطاق يتراوح بين 13% و15% نتيجة الضغوط المستوردة، دون انفلات واسع طالما استقرت أسعار الصرف والطاقة نسبيًا. وأضافت أنه في حال تصاعد التوترات إقليميًا وارتفاع أسعار النفط بصورة ملحوظة، فقد تعود معدلات التضخم لتتجاوز مستوى 15% مدفوعة بزيادة تكلفة الاستيراد وضغوط سعر الصرف، بينما يظل سيناريو الصدمة الكبرى- المرتبط باضطراب حاد في الملاحة أو قفزات قياسية في أسعار النفط- احتمالًا ضعيفًا، لكنه قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى من التوقعات الحالية. وفيما يتعلق بأسعار الفائدة، رجحت «الوقاد» أن يتبنى البنك المركزي نهجًا يعتمد على البيانات، مع الاتجاه إلى تثبيت مؤقت للفائدة في الاجتماع المقبل لتقييم التطورات، مع إمكانية تعليق أي خفض محتمل إذا تصاعدت الضغوط. وأكدت أن التشديد الفعلي سيظل مرهونًا بظهور ضغوط قوية على سعر الصرف أو تسارع توقعات التضخم أو خروج ملحوظ لرؤوس الأموال، مشيرة إلى أن مرونة السياسة النقدية ستكون العامل الحاسم خلال الفترة المقبلة. التضخم وسعر الصرف من جانبه، قال أحمد أبوالخير، الخبير المصرفي، إن تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية بين إيران والولايات المتحدة ينعكس بطبيعته على الأسواق العالمية، لا سيما أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتدفقات رؤوس الأموال. وأوضح أن الاقتصاد المصري، في ظل مواصلته تنفيذ برنامج إصلاح هيكلي واعتماده النسبي على استيراد جانب من احتياجاته من الطاقة والسلع الأساسية، يبقى عرضة لانتقال أي موجة تضخمية عالمية جديدة إلى الداخل عبر قنوات عدة، ما قد يؤثر على مسار التضخم المحلي وتوجهات السياسة النقدية. وأشار أبوالخير إلى أن التضخم في مصر قد يتعرض لضغوط صعودية خلال الفترة المقبلة نتيجة عاملين رئيسيين؛ أولهما التضخم المستورد المرتبط باحتمال اضطراب إمدادات النفط عبر مضيق هرمز أو استهداف ناقلات الطاقة، بما قد يدفع أسعار خام برنت إلى الارتفاع. وأضاف أنه نظرًا لكون مصر مستوردًا صافيًا للمواد البترولية، فإن أي زيادة في أسعار النفط ستنعكس سريعًا على تكاليف النقل والإنتاج، ومن ثم على أسعار السلع الغذائية والخدمات، مشيرًا إلى أن العامل الثاني، يتمثل في ضغوط سعر الصرف، إذ تؤدي أجواء عدم اليقين إلى تقليص انكشاف المستثمرين على الأسواق الناشئة، ما قد يضغط على الجنيه ويرفع تكلفة الواردات. وأضاف أن بقاء التصعيد في نطاق محدود دون تأثير فعلي على تدفقات النفط عبر الخليج قد يجعل أثره التضخمي مؤقتًا، ينعكس في زيادات محدودة في الأسعار قبل أن تتراجع مع استقرار الأسواق. أما في حال اتساع نطاق الصراع وتعطل إمدادات الطاقة بشكل ملموس، فقد ترتفع أسعار النفط بصورة حادة، ما يدفع التضخم في مصر إلى مستويات أعلى من المستهدفات، خاصة إذا تزامن ذلك مع ضغوط على سعر الصرف أو خروج جزئي لرؤوس الأموال الأجنبية. وفيما يتعلق بأسعار الفائدة، أوضح أن قرار البنك المركزي سيعتمد على تقييم طبيعة الضغوط التضخمية، وما إذا كانت صدمة مؤقتة في جانب العرض أم موجة ممتدة تؤثر على التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار، وفق أبوالخير. ورجح أن يميل «المركزي» إلى التثبيت الحذر في الأجل القصير مع متابعة التطورات، والاستعداد للتحرك إذا استدعت الظروف، مؤكدًا أن المعادلة ستظل قائمة بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النمو، وأن قرارات الفائدة ستبقى رهينة مسار الصراع، واتجاه أسعار الطاقة، واستقرار تدفقات النقد الأجنبي. شهادات الادخار وفي ظل هذه التطورات، عاد النقاش بقوة حول احتمال عودة شهادات الادخار مرتفعة العائد إلى السوق المصرفية، خاصة بعد انتهاء مدة الشهادات الاستثنائية التي طرحتها البنوك الحكومية بعائدات قياسية وصلت إلى 27% مطلع عام 2024. وفي يناير الماضي، بدأ استحقاق تلك الشهادات، وهو ما ترك فراغًا ملحوظًا في سوق الادخار، خاصة مع تراجع العوائد على الشهادات متغيرة العائد عقب خفض أسعار الفائدة. وفي الوقت نفسه، سجلت معدلات التضخم في مصر خلال فبراير الماضي ارتفاعًا ملحوظًا، إذ بلغ معدل التضخم في مدن مصر 13.4% مقابل 11.9% في يناير، بينما سجل التضخم الأساسي 12.7%، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2025. كما شهدت أسعار الوقود في مصر زيادة جديدة تعد الأكبر تاريخيًا، بالتزامن مع الارتفاعات القياسية لأسعار النفط عالميًا، إذ ارتفع بنزين 95 بنسبة 14.3%، وبنزين 92 بنسبة 15.6%، والسولار بنسبة 17.1%، بينما سجل غاز تموين السيارات زيادة بلغت 30.% ويرى الخبراء، أن التأثير الكامل لهذه الزيادات لم يظهر بعد، إذ من المتوقع أن تنعكس على معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج. وأكد محمد عبدالعال، الخبير المصرفي، أن إصدار شهادات الادخار مرتفعة العائد لأجل سنة ليس قرارًا تنفرد به البنوك، بل يستلزم الرجوع إلى البنك المركزي والحصول على موافقته، باعتبار هذه المنتجات جزءًا لا يتجزأ من منظومة السياسة النقدية. وأوضح أن اللجوء إلى هذا النوع من الشهادات لا يحدث إلا في ظروف استثنائية حين تبلغ معدلات التضخم مستويات مرتفعة للغاية، مستشهدًا بما حدث عندما طُرحت شهادات بعوائد وصلت إلى 27% و30%. وأشار إلى أن اقتصار تلك الشهادات على أجل السنة الواحدة يعود إلى أن استمرار منح هذه المعدلات المرتفعة لفترات أطول قد يربك المنظومة المصرفية بالكامل، مضيفًا أن البنوك لا تملك هامشًا واسعًا لمنح عوائد تتجاوز سعر العملية الرئيسية للبنك المركزي دون الإخلال بتوازن السيولة لديها. ورجح أن تتجه لجنة السياسة النقدية إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، مشيرًا إلى أن الضغوط التضخمية قد تتصاعد خلال مارس نتيجة اضطرابات سلاسل الشحن العالمية وارتفاع أسعار النفط وأقساط التأمين. المنافسة على الودائع فيما يرى إبراهيم عادل، محلل الاقتصاد الكلي والقطاع المالي بشركة مباشر تريد مصر، أن موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة قد تدفع بعض البنوك إلى طرح شهادات ادخار بعوائد أعلى نسبيًا في إطار المنافسة على ودائع العملاء. وأوضح أن المنافسة بين البنوك على جذب المدخرات أصبحت أكثر حدة، خاصة مع تنامي الوعي المالي لدى شريحة واسعة من المودعين الذين أصبحوا أكثر حرصًا مقارنة بالعوائد بين البنوك المختلفة. وأضاف أن البنوك التي تتمتع بسيولة مريحة قد لا تجد ضرورة لرفع عوائدها، بينما تميل البنوك التي تسعى إلى توسيع قاعدة عملائها أو دعم سيولتها إلى تقديم عوائد أعلى لاستقطاب مدخرات جديدة. وأكد أن العوائد التي تقدمها البنوك تبقى في النهاية مرتبطة بقرارات البنك المركزي، إذ إن أي تعديل في أسعار الفائدة الأساسية ينعكس مباشرة على تسعير المنتجات الادخارية في السوق المصرفية. انعكاسات الحرب ولا تقتصر تداعيات التوترات الجيوسياسية على السياسة النقدية أو سوق الادخار فقط، بل تمتد أيضًا إلى أداء القطاع المصرفي وصافي الأصول لدى البنوك. وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد سيد، الخبير المصرفي، إن تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بالتزامن مع اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الطاقة، أعاد ملف التضخم وأسعار الفائدة إلى صدارة المشهد الاقتصادي المصري، في وقت تواجه فيه السياسة النقدية اختبارًا دقيقًا بين الحفاظ على المسار النزولي للتضخم وعدم إجهاض تعافي النمو. وأوضح أن الاقتصاد المصري يتأثر بثلاث قنوات رئيسية للضغوط التضخمية، تتمثل في أسعار الطاقة العالمية التي تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج والنقل، وسعر الصرف وتدفقات رؤوس الأموال في ظل حساسية الأسواق الناشئة، إضافة إلى الواردات الغذائية وسلاسل الإمداد. ورغم تراجع التضخم من ذروته التي تجاوزت 38% خلال 2023 إلى نحو 11.9% مطلع 2026، فإن الضغوط الحالية ذات طابع «تضخم عرض»، ما يجعل الوصول إلى معدلات منخفضة أكثر صعوبة. وأشار سيد إلى أن السياسة النقدية شهدت تحولًا ملحوظًا منذ بلوغ الفائدة ذروتها عند 27.25% في مارس 2024، قبل بدء دورة تيسير تدريجية بلغت 825 نقطة أساس. ورجح أن يتبنى البنك المركزي نهج «التثبيت مع الانتظار» في المدى القريب، ما لم تحدث صدمة خارجية حادة، مشيرًا إلى أن أي تشديد استباقي سيظل خيارًا اضطراريًا حال اتساع نطاق المخاطر. وذكر سيد أن الفائدة تمثل أداة مهمة لإدارة الدورة الاقتصادية، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة التحديات الهيكلية، مؤكدًا أن الرهان الحقيقي يكمن في إدارة توقعات التضخم وتعزيز مرونة الاقتصاد على المدى الطويل. اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/euzc أسعار الفائدةالتضخمالشهادات مرتفعة العائد