الرومانسى.. والحكيم.. والمغامر بواسطة محمد حبيب 18 أكتوبر 2015 | 1:47 م كتب محمد حبيب 18 أكتوبر 2015 | 1:47 م النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 2 في داخل كل واحد منا الشىء ونقيضه؛ إذا أمعنت النظر سوف تجد ملاكا وشيطانا، رومانسيا وعقلانيا، شجاعا وجبانا، كريما وبخيلا، نبيلا وخسيسا، عالما وجاهلا، ذكيا وغبيا، عبقريا ومتخلفا، حكيما وأبله، وهكذا.. في الآية (٢) من سورة الإنسان، يقول تعالى: «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج»، أي أخلاط ممتزجة متباينة الصفات.. قد يبدو الإنسان عبقريا في مواقف، وأبله في مواقف أخرى.. بل تتفاوت نسبة العبقرية من موقف لآخر، فتصل إلى أعلى معدلاتها في موقف، وإلى أدنى معدلاتها في موقف آخر، وهكذا بالنسبة لبقية الصفات.. في القصة التي بين أيدينا، سوف نرى هذه الحقيقة تتجلى كثيرا.. وهى عموما قصة حقيقية، بأشخاصها وأحداثها ووقائعها وأماكنها وأزمانها.. الشىء الوحيد غير الحقيقى هو أسماء الأشخاص الواردة فيها، رفعا للحرج.. تتناول القصة ما يمكن أن يواجه الشباب من أحداث، وما يعتمل في نفوسهم من مشاعر وانفعالات، وما يصدر عنهم من تصرفات عليا أو متدنية، وأثر البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عليهم في مراحل الصبا الباكر، والمراهقة، والشباب، والرجولة.. وما هي الآثار السلوكية والأخلاقية التي تترتب على غياب المتابعة من الآباء والأمهات لأولادهم، خاصة في المراحل الأولى من حياتهم.. حسن أمين هو بطل قصتنا، وهو المقصود بالرومانسى والحكيم والمغامر.. وقد وُلد «حسن» في مدينة دمياط في الأربعينات من القرن الماضى لأسرة متوسطة الحال.. فوالده «أمين» كان تاجرا لمواد العلافة التي تتغذى عليها الخيول، كالرجيع والردة والتبن والفول.. إلخ. وأمه «هانم» ابنة يوسف حمدان، شيخ السروجية في المدينة في ذلك الزمان.. لم تكن هذه هي الزيجة الأولى ولا الثانية لـ«أمين»، فقد كان متزوجا من قريبة له وظل معها ١٦ عاما لا تنجب، فنصحه بعض أصدقائه بأن يتزوج من إحدى بنات «يوسف»، لكنها توفيت بعد عام واحد من الزواج، فتزوج من «هانم» أختها الصغرى، حيث أنجبت «عزيزة» و«حسن» و«فريدة» و«زينة» و«صالح».. كان «أمين» يجيد القراءة والكتابة، غير أنه ترك التعليم منذ الصغر ولم يحصل على أية شهادة.. أما الأم «هانم» فلم يكن لها نصيب من ذلك، فهى أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتكاد ترسم اسمها بشق الأنفس.. كان «أمين» رجلا طيبا متدينا، ذا شبكة علاقات اجتماعية جيدة، متصفا بالحكمة والهدوء والثبات الانفعالى، الأمر الذي جعل البعض من أهل الحى يلجأون إليه لحل مشكلاتهم الاجتماعية.. غير أنه- كعادة أهل ذلك الزمان- كان يؤمن بالخرافات والأساطير.. وكانت زوجته «هانم» مدبرة وذكية وحصيفة.. وكانت العلاقات بينهما ذات حميمية فائقة، ولم يلحظ «حسن» يوما ما وجود أي شىء يكدر صفو هذه العلاقة.. وقد استطاع «أمين» أن يدبر مبلغا من المال مكّنه من شراء منزل متواضع، وكان دخله من عمله كافيا لكى يعيش هو وأسرته في وضع لا بأس به.. ألحق «حسن» بالحضانة، ثم المدرسة الابتدائية.. كان متفوقا، وكانت نتيجته الأول دائماً، معتمدا في ذلك على فهمه واستيعابه لشرح مدرسيه في الفصل، إذ لم يكن يعرف للمذاكرة طريقا.. كان «حسن» مرهف الحس، رقيق الشعور، جياش العاطفة.. بدا ذلك عليه منذ طفولته، فقد كان يستهويه مشهد غروب الشمس، ويستغرقه النظر والتأمل في لمبات النيون.. كان أيضا محبا للكلاب والحمام، ويتمنى أن يقتنيهما.. وكان كذلك عاشقا للسينما، حريصا على مشاهدة الأفلام الرومانسية التي كانت تعرض في فترة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضى.. وقد لعبت الأفلام العالمية من أمثال أوليفر تويست، قصة مدينتين، الحرب والسلام، الشمس تشرق أيضا، وداعا للسلاح، موجامبو، ذهب مع الريح، وغيرها وغيرها، دورا في تشكيل وعيه ووجدانه.. لم يكن لديه مانع من التردد على دور السينما مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، بالرغم مما كان يسببه ذلك له من معاناة مع الأهل.. وقد تأثر «حسن» أيضا بما كان يسمعه من قصص وحكايات إذاعية في ذلك الزمان؛ كقصة «قسم» أو «مرزوق العتقى»، و«عواد باع أرضه»، و«على بابا والأربعين حرامى»، و«ألف ليلة وليلة»… إلخ. كان «حسن» يجمع بين المتناقضات، فهو خجول للغاية، لكنه اجتماعى وله أصدقاء كثيرون، نظرا لما كان يتمتع به من سمات أخلاق الفرسان؛ كالمروءة والشهامة والرجولة والصدق والصراحة والوضوح ولين الجانب.. وهو متدين، يتردد على المساجد المنتشرة في حيه لإقامة الصلوات والاستماع إلى الدروس والمواعظ التي يلقيها الشيوخ.. كان ندى الصوت وهو يصدح بالأذان من فوق المآذن، كما كان شجى الصوت وهو يتلو آيات القرآن، خاصة في بيت جده وأفراد الأسرة الكبيرة عندما كانوا يجتمعون في المناسبات.. لكن رغم تدينه ذلك، إلا أنه كان ينزلق إلى بعض الأعمال السيئة، كالسرقة مثلا، من باب المغامرة والمتعة والإثارة.. لقد كان من أحب المأكولات لديه البليلة، خاصة إذا كانت بالمكسرات والزبيب وجوز الهند.. ولم يكن لديه بأس من تناول عدة أطباق منها خلال ساعة واحدة.. وكان شغوفا بتلك الأطباق المتميزة التي كان يتفنن في عملها وتقديمها عم «رشاد»، الرجل الشهير الذي كان يقف بعربته إلى جوار بيت جده لأمه الذي كان يطل على أطول شارع في المدينة.. في يوم من الأيام اشتهى «حسن» أن يأكل بضعة أطباق من البليلة الأثيرة لديه، ولم يكن معه حينئذ المال الذي يمكنه من ذلك.. صعد إلى شقة خاله «سلمان» الذي كان يسكن في بيت جده «يوسف»، فلم يجد به أحدا سوى زوجة خاله «حسنية» التي لم ترزق منه بأطفال.. منعه خجله من أن يطلب منها ما يريد، غير أنه وهو في طريقه إلى الخروج، وجد قرشين على إحدى المناضد فأخذهما دون أن يخبر زوجة خاله.. ذهب بهما إلى عم «رشاد»، حيث طلب طبقا من البليلة، فثانيا وثالثا ثم رابعا.. وانصرف إلى بيته ممتلئا ومنتشيا.. لم يشعر بأى حرج، ولم يخطر بباله أنه ارتكب ذنبا، أو أتى فعلا قبيحا.. كان همه أن يأكل البليلة بأى شكل، وقد فعل.. كان ذلك مساء يوم الخميس.. مر يوم الجمعة وهو على نفس الحال.. وفى صبيحة يوم السبت وهو ذاهب لشراء الفول المدمس لأسرته قبل أن ينطلق إلى المدرسة، قابلته في الطريق خالته وزوجة خاله، حيث اكتشفت الأخيرة ضياع القرشين عقب زيارة «حسن» لها.. شددت عليه الاثنتان، فاعترف وحكى لهما ما كان.. قالتا له إنهما على استعداد لنسيان هذا الموضوع واعتباره منتهيا، وإنهما لن تبلغا أمه وأباه حال إعادة المبلغ المسروق.. في هذه السن الباكرة أغراه أحد أصدقائه بسرقة بعض ثمار الفاكهة المعروضة في أحد المحلات، فينتهزان فرصة انشغال البائع ليقوما بالانقضاض على ما تصل إليه أيديهما من الفاكهة ويفران هاربين.. تكرر هذا الأمر أكثر من مرة، وفى إحدى المرات كادا أن يقعا في يد صاحب أحد المحلات.. لم يكن حسن محروما من الفاكهة للدرجة التي يقدم فيها على السرقة.. كان يشعر ساعتها بأنه يقوم بجهد كبير، فيه التخطيط، والرصد، والانقضاض، والهرب.. كانت المغامرة هدفه، أن يقدم على عمل غير عادى، وغير مألوف..عملا يجعله متميزا ومختلفا عن الآخرين.. وكان وهو يأكل الفاكهة التي سرقها يشعر بلذة عجيبة.. كان يلتهمها التهاما، ولم يكن يبقى منها على شىء يذكر. اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/xiwg