دينا عبدالفتاح تكتب: إعادة تموضع الإمارات.. قوة صاعدة أم لاعب على حافة الصدام؟ هندسة السيطرة عبر عُقَد الموانئ الإستراتيجية تمنح أبوظبي نفوذاً لوجيستياً يتجاوز حدودها السياسية في الإقليم بواسطة دينا عبد الفتاح 11 مايو 2026 | 2:15 م كتب دينا عبد الفتاح 11 مايو 2026 | 2:15 م دينا عبدالفتاح رئيس تحرير أموال الغد النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 98 لم يعد من الممكن قراءة الإمارات العربية المتحدة كدولة تقليدية داخل النظام العربي، فالتحول الذي شهدته خلال العقدين الماضيين لم يكن مجرد توسع اقتصادي أو تحديث مؤسسي، بل كان إعادة صياغة شاملة لوظيفتها داخل النظام الإقليمي والدولي.. ما نراه اليوم هو كيان يتحرك كـ»شبكة نفوذ» أكثر من كونه دولة ذات حدود، شبكة تمتد عبر الموانئ، والاستثمارات، والتحالفات الأمنية، والعلاقات الاستخباراتية، والتموضع السياسي في مناطق الفراغ. هذا التحول بدأ مبكرًا، قبل أن تظهر نتائجه بوضوح في العقد الأخير.. منذ منتصف الألفينات، بدأت الإمارات في بناء أدوات غير تقليدية للقوة، مستفيدة من وفرة السيولة النفطية، ومن إدراك مبكر بأن النظام العالمي يتجه نحو اقتصاد الخدمات واللوجيستيات والتدفقات المالية، لم يكن الهدف مجرد تنويع الاقتصاد، بل إيجاد نقاط ارتكاز خارج الحدود، بحيث يصبح نفوذ الدولة غير مرتبط بجغرافيتها فقط. إقرأ أيضاً هل حان وقت بيع الذهب وسط تراجع الأسعار؟.. دينا عبد الفتاح تكشف كيف تفكر المؤسسات المالية الكبرى وتقدم نصيحة للمستثمرين وزير الخارجية المصري يبحث هاتفياً مع نظيره التركي سبل خفض التصعيد الإقليمي الإمارات: لا يمكن الوثوق بإيران بشأن هرمز مع وصول جهود السلام إلى طريق مسدود في هذه المرحلة، تشكلت أولى طبقات النفوذ، «الموانئ».. فالسيطرة على موانئ استراتيجية أو إدارتها لم تكن خطوة اقتصادية فقط، بل كانت خطوة جيوسياسية بامتياز، كون الميناء ليس مجرد نقطة شحن، بل عقدة في شبكة التجارة العالمية، ومن يملك هذه العقدة يستطيع التأثير على التدفقات، وعلى الدول التي تعتمد عليها، ومع توسع هذا النموذج في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، بدأت الإمارات تتحول تدريجيًا إلى لاعب حاضر في أهم ممرات التجارة العالمية. لكن هذا التوسع الاقتصادي لم يكن كافيًا بمفرده، فمع اندلاع الربيع العربي، دخلت المنطقة مرحلة سيولة سياسية غير مسبوقة، وظهرت قوى جديدة خارج الإطار التقليدي للدولة.. هنا حدث التحول الحقيقي في سلوك الإمارات، فلم تعد ترى نفسها مجرد مستثمر أو مركز تجاري، بل لاعب سياسي وأمني يسعى لإعادة تشكيل البيئة المحيطة به بما يتوافق مع رؤيته للاستقرار. في هذه المرحلة، انتقلت من بناء النفوذ إلى استخدامه- دعم أطراف سياسية، التدخل في مسارات صراعات، بناء علاقات مع فاعلين غير حكوميين- كل ذلك كان جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع تشكل أنظمة أو قوى قد تمثل تهديدًا مستقبليًا.. لم يكن الدافع أيديولوجيًا بقدر ما كان أمنيًا بحتًا: «الحفاظ على نموذج الدولة من أي انتقال عدوى سياسية أو اجتماعية». بالتوازي مع ذلك، بدأت الإمارات في تطوير طبقة أخرى من النفوذ، أكثر تعقيدًا: النفوذ المالي العالمي.. عبر صناديقها السيادية، لم تعد مجرد مستثمر في الداخل، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في أسواق المال والعقارات والتكنولوجيا حول العالم.. هذه الاستثمارات لم تكن فقط لتحقيق عائد، بل لبناء علاقات، وتأمين موطئ قدم داخل اقتصادات كبرى، وإنتاج شبكة مصالح متبادلة تجعل أي صدمة سياسية أقل تأثيرًا عليها. المرحلة الثالثة من التحول جاءت مع إدراك أن الأمن والتكنولوجيا أصبحا محور القوة في القرن الحادي والعشرين.. هنا دخلت الإمارات في علاقات أعمق مع القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، ومع إسرائيل لاحقًا.. لم يكن الهدف مجرد تحالف سياسي، بل الوصول إلى منظومات متقدمة في مجالات الأمن السيبراني، والمراقبة، والذكاء الاصطناعي، وهي أدوات أصبحت ضرورية لإدارة دولة حديثة في بيئة غير مستقرة. هذا التقارب مع إسرائيل، الذي تُوّج باتفاقيات أبراهام، لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان إعلانًا عن واقع قائم.. فالإمارات لم تنتقل فجأة من العداء إلى التحالف، بل كانت تتحرك تدريجيًا نحو هذا المسار، مدفوعة بحسابات المصلحة لا بالتحولات الأيديولوجية.. في هذا السياق، أصبحت جزءًا من بنية أمنية- اقتصادية أوسع، تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل مع مصالحها، دون أن تذوب فيها بالكامل. لكن الأهم من التحالفات هو طريقة إدارتها.. الإمارات لا تتحرك كحليف تقليدي لأي محور، بل كفاعل يسعى إلى تحقيق أقصى قدر من المرونة. فهي في الوقت الذي تعمّق فيه علاقاتها مع الغرب، تحافظ على روابط قوية مع الصين، وتفتح قنوات مع روسيا، وتبني شراكات مع الهند، هذا التوازن ليس تناقضًا، بل هو جوهر إستراتيجيتها: تقليل الاعتماد على طرف واحد، وتوزيع المخاطر. هذا النموذج من “التحوط الاستراتيجي” يمنحها قدرة عالية على المناورة، لكنه يضعها أيضًا في منطقة حساسة- كلما توسعت في علاقاتها، زادت احتمالات التناقض بين هذه العلاقات.. العلاقة مع الولايات المتحدة قد تتأثر بعلاقاتها مع الصين، والتقارب مع إسرائيل قد يؤثر على صورتها في العالم العربي، فيما الانخراط في أفريقيا قد يضعها في مواجهة مع قوى إقليمية أخرى.. وهنا تظهر طبيعة الدور الذي اختارته: دور عالي العائد، لكنه عالي المخاطر. في هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال عن “الانفصال عن العالم العربي” سؤالًا ناقصًا. فالإمارات لم تنفصل، لكنها لم تعد ترى نفسها ملزمة بالتحرك داخل الإطار العربي التقليدي.. هي تعيد تعريف علاقتها بهذا الإطار من علاقة انتماء إلى علاقة إدارة.. تستخدمه حين يخدم مصالحها، وتتجاوزه حين يتعارض معها.. هذا التحول قد لا يظهر في البيانات الرسمية، لكنه واضح في السلوك الفعلي. ومن هنا، تبدأ ملامح خريطة النفوذ.. في الخليج، تتحرك كقوة موازية للسعودية، لا تابعة لها.. في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تسعى إلى السيطرة على الممرات الحيوية، وفي شرق المتوسط، تدخل عبر الاستثمار والعلاقات السياسية، فيما تبني في أفريقيا حضورًا عبر الاقتصاد والأمن، وفي الغرب، تضمن حماية وتكنولوجيا، بينما في الشرق، تؤمن التجارة والتدفقات. هذه الخريطة ليست ثابتة، بل ديناميكية، تتغير وفق التطورات، لكنها تحمل في داخلها منطقًا واضحًا: الانتشار عبر العقد الاستراتيجية بدلًا من السيطرة المباشرة، وهذا ما يجعل فهمها أكثر تعقيدًا، لأن النفوذ هنا لا يُقاس بالحدود، بل بالشبكات. في ضوء ذلك، يمكن القول إن الإمارات لم تعد مجرد دولة داخل النظام الإقليمي، بل أصبحت أحد العوامل التي تعيد تشكيل هذا النظام.. تحركاتها لا تقتصر على رد الفعل، بل تمتد إلى الفعل المبادر، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الأمن، وهذا ما يجعل تحليلها ضروريًا لفهم اتجاهات المنطقه ككل. خريطة النفوذ الإماراتي.. السيطرة عبر العقد لا عبر الجغرافيا إذا كان الجزء الأول قد رسم الإطار العام لتحول الإمارات إلى شبكة نفوذ، فإن هذا الجزء يركّز على البنية الفعلية لهذه الشبكة، أي كيف تُترجم الاستراتيجية إلى مواقع، وأدوات، ومسارات تأثير ملموسة على الأرض.. ما يميز النموذج الإماراتي ليس الانتشار العشوائي، بل الانتشار الانتقائي في نقاط بعينها، نقاط تمثل “مفاصل” الحركة في الإقليم: الممرات البحرية، السواحل، مناطق الموارد، والعواصم السياسية الهشة. وتعتمد الإمارات على استراتيجية تقوم على التأثير في “نقاط حاكمة” داخل الدول بدلًا من السيطرة الكاملة، وهي مقاربة أقل تكلفة وأكثر فاعلية. ويبرز البحر الأحمر كأحد أهم محاور هذا التوجه، كونه شريانًا حيويًا يربط التجارة العالمية عبر قناة السويس والمحيط الهندي.. لذلك عملت الإمارات على بناء حضور في موانئ استراتيجية على امتداد هذا الممر، عبر شراكات وإدارات تشغيلية، ما يمنحها نفوذًا لوجيستيًا وتجاريًا وأمنيًا. وفي اليمن، يرتبط هذا التوجه بأهمية مضيق باب المندب، حيث يعكس الوجود الإماراتي في الجنوب محاولة لتعزيز التأثير في واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية عالميًا، وبهذا، لا تسعى الإمارات للسيطرة الكاملة على البحر الأحمر، لكنها تؤمن لنفسها موقعًا مؤثرًا في معادلاته. يمثل القرن الأفريقي العمق الاستراتيجي المغذي للبحر الأحمر، إذ يمنحه موقعه الجغرافي أهمية كبيرة رغم هشاشته السياسية. وقد دخلت الإمارات إلى هذه المنطقة عبر الاقتصاد، قبل أن تطور حضورًا متعدد الأبعاد يتجاوز الموانئ إلى الاستثمار في البنية التحتية والزراعة والخدمات وحتى الجوانب الأمنية. ولا يهدف هذا التوجه إلى السيطرة المباشرة، بل إلى بناء شبكة اعتماد متبادل تربط هذه الدول اقتصاديًا ولوجيستيًا بالإمارات، بما يضمن نفوذًا طويل الأجل أقل تكلفة وأقل إثارة للحساسية مقارنة بالتدخل العسكري. وفي ظل وجود قوى منافسة مثل تركيا والصين وبعض الدول الأوروبية، يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة تنافس هادئ، يسعى فيها كل طرف لترسيخ نفوذه دون الانزلاق إلى صدام مباشر. بينما في ليبيا، يتخذ النفوذ الإماراتي طابعًا مختلفًا، حيث لا يقتصر على الاقتصاد أو الموانئ، بل يرتبط بساحة صراع سياسي وعسكري مفتوح.. وتعتمد الإمارات هنا على دعم أطراف محلية تمثل مصالحها، في نموذج يُعرف بـ«النفوذ بالوكالة». هذا النهج يتيح تحقيق أهداف سياسية دون تحمل كلفة التدخل المباشر، لكنه ينطوي على مخاطر، نظرًا لعدم ثبات ولاءات الفاعلين المحليين واحتمال تغير مواقفهم. ولا يقتصر الهدف على التأثير السياسي، بل يمتد إلى ضمان بيئة غير معادية مستقبلًا، مع تأمين موطئ قدم اقتصادي واستثماري، مستفيدًا من موقع ليبيا الاستراتيجي كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا. في شرق المتوسط، تعتمد الإمارات نهجًا مختلفًا قائمًا على الاستثمار بدلًا من الانخراط في صراعات مباشرة، مستفيدة من بيئة أكثر استقرارًا سياسيًا مقارنة بمناطق أخرى، ويتركز حضورها في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والعقارات والبنية التحتية. هذا التوسع الاقتصادي يمنح نفوذًا طويل الأجل دون إثارة توترات، إذ إن الاستثمار في أصول حيوية كالموانئ والطاقة يولّد تأثيرًا ممتدًا يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى نفوذ سياسي. وفي هذا السياق، تعكس العلاقات مع دول مثل اليونان وقبرص توجهًا نحو بناء شبكة مصالح إقليمية، تضمن للإمارات حضورًا متزايدًا في منطقة لم تكن تقليديًا ضمن نطاق نفوذها. وفي الخليج، تقوم العلاقة بين الإمارات والسعودية على توازن داخلي يجمع بين الشراكة والمنافسة، وليس على مفهوم النفوذ الخارجي. تركز الإمارات على ترسيخ موقعها كمركز مالي وتجاري وخدمي، بينما تعمل السعودية على إعادة تشكيل اقتصادها كقوة صناعية واستثمارية كبرى، ما ينتج تداخلًا في الأدوار وأحيانًا تضاربًا في المصالح. ورغم ذلك، يبقى الصدام المباشر مستبعدًا نظرًا لكلفته المرتفعة، ليحل محله نمط من “التنافس المنضبط”، إذ يسعى كل طرف لتعزيز موقعه دون الإضرار بأسس العلاقة الاستراتيجية بينهما. فيما يتعلق بالسودان، يتخذ النفوذ طابعًا شديد الحساسية نظرًا لتعقيد المشهد السياسي وتداخل العوامل الأمنية والاقتصادية، ولا يقتصر الحضور على الاستثمارات، بل يمتد إلى التعامل مع واقع متغير تحكمه توازنات غير مستقرة وتحركات غير معلنة. ورغم ضبابية الصورة، يبدو أن الهدف هو الحفاظ على موطئ قدم يخدم مصالح اقتصادية مثل الذهب والزراعة، إلى جانب اعتبارات جيوسياسية مرتبطة بالموقع. وتحمل هذه البيئة مخاطر مرتفعة، إذ قد يؤدي الانحياز لأي طرف إلى خسائر مع تغير موازين القوى، لكنها في المقابل تتيح فرصًا لتحقيق نفوذ مؤثر إذا أُديرت بحذر.. الخلاصة أن تحركات الإمارات لا تبدو عشوائية، بل تستند إلى منطق متكامل يقوم على تأمين الممرات الحيوية في البحر الأحمر، وبناء عمق لوجيستي في القرن الأفريقي، وتعزيز النفوذ في البيئات الهشة مثل ليبيا والسودان واليمن، إلى جانب التوسع الاقتصادي في مناطق أكثر استقرارًا كشرق المتوسط، مع الحفاظ على توازن دقيق داخل الخليج. هذه المقاربة تضمن حضورًا واسعًا في أكثر من ساحة استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه تضع الإمارات في بيئة تنافسية مع قوى إقليمية ودولية متعددة، لكل منها حساباته ومصالحه. سيناريوهات الصدام.. أين تقف الإمارات على حافة الاحتكاك؟ الصدام في السياسة الإقليمية لا يبدأ دائمًا بإطلاق نار.. فأحيانًا يبدأ بتعارض صامت في الموانئ، أو تضارب مصالح في دولة منهارة، أو منافسة على شركة عالمية، أو اختلاف في تعريف «الأمن».. والإمارات، لأنها اختارت أن تتحول من دولة خليجية محدودة المجال إلى شبكة نفوذ ممتدة، صارت بالضرورة أقرب إلى نقاط احتكاك متعددة.. كلما اتسعت الشبكة، زاد عدد الخصوم المحتملين، وكلما زادت قدرة الدولة على المناورة، زادت كذلك احتمالات سوء التقدير. في الحالة الإماراتية، لا يبدو الصدام المباشر خيارًا مفضلًا، فأبوظبي تميل إلى العمل منخفض البصمة: المال قبل العسكر، الوكلاء قبل الجيوش، الموانئ قبل القواعد، الترتيبات الأمنية قبل الحروب المفتوحة.. هذه طريقة ذكية لأنها تمنح نفوذًا واسعًا بتكلفة أقل، لكنها تحمل عيبًا خطيرًا: أن خصوم الإمارات لا يردون دائمًا بالشكل نفسه.. فحين تتحرك دولة عبر شبكات النفوذ، قد يأتي الرد عبر ضربات غير متماثلة، هجمات سيبرانية، استهداف ملاحة، حملات تشويه، أو ضغط على مصالحها في مناطق بعيدة. أول ساحة صدام محتملة هي إيران.. فالعلاقة بين أبوظبي وطهران ليست عداءً صافيًا ولا سلامًا مستقرًا.. هي علاقة مزدوجة، تجمع بين التجارة والقلق، وبين قنوات التهدئة والخوف الأمني.. الإمارات تعرف أنها جغرافيًا قريبة جدًا من إيران، وأن بنيتها الاقتصادية، خصوصًا دبي وأبوظبي كمراكز طيران ومال ولوجيستيات، شديدة الحساسية لأي هجوم أو اضطراب، ولذلك فهي لا تستطيع أن تدخل مواجهة مفتوحة مع طهران بسهولة، حتى لو كانت قريبة أمنيًا من الولايات المتحدة وإسرائيل.. في الأسابيع الأخيرة مثلًا، ظهرت مؤشرات على استمرار قنوات التهدئة بين الإمارات وإيران، إذ بحث مسؤولون إماراتيون وإيرانيون جهود خفض التصعيد، بينما في الوقت نفسه تستفيد الإمارات من دعم عسكري أمريكي ضمن ترتيبات دفاعية مرتبطة بتوترات الإقليم.. هذا التناقض الظاهري هو جوهر السياسة الإماراتية: تطمئن إيران بما يكفي لمنع التصعيد، وتقترب من واشنطن وتل أبيب بما يكفي لضمان الحماية والتكنولوجيا. لكن هذا التوازن شديد الهشاشة.. إذا توسعت الحرب الأمريكية- الإيرانية، أو إذا ثبت لإيران أن الإمارات أصبحت جزءًا عمليًا من بنية الاستهداف أو الدفاع الإقليمي ضدها، فإن الأخيرة قد تنتقل من موقع “الشريك الخلفي” إلى “الهدف الأمامي”.. إيران لا تحتاج بالضرورة إلى حرب مباشرة مع الإمارات كي تؤلمها.. يكفي استهداف الممرات، تهديد الملاحة، رفع كلفة التأمين، أو إرسال رسالة عبر جماعة حليفة.. فاقتصاد الإمارات مبني على الثقة والانسياب: الطيران، الموانئ، السياحة، المال، العقار، والشحن.. هذه القطاعات لا تحتاج إلى تدمير كي تتأثر؛ يكفي أن تشعر السوق بأن الخطر قريب. لذلك، صدام الإمارات مع إيران غير مرجح كحرب مباشرة، لكنه مرجح كاحتكاك مزمن.. أبوظبي ستستمر في سياسة مزدوجة: شراكة أمنية مع الغرب وإسرائيل من جهة، وخطوط تهدئة مع طهران من جهة أخرى، لكنها لو أُجبرت على الاختيار في لحظة حرب شاملة، ستنحاز أمنيًا للكتلة الأمريكية، مع محاولة إبقاء الباب التجاري والدبلوماسي مواربًا.. هذا الانحياز لن يكون أيديولوجيًا، بل اضطراري: أمن الإمارات النهائي ما زال تحت مظلة أمريكية، حتى لو كانت تجارتها موزعة على الشرق والغرب. الساحة الثانية هي السعودية، وهي ربما أخطر من إيران على المدى الطويل، لا لأنها ستقود إلى حرب، بل لأنها تمس جوهر النموذج الإماراتي.. فالعلاقة السعودية– الإماراتية تحالف عميق ظاهريًا، لكنه يخفي منافسة بنيوية.. السعودية لم تعد الدولة النفطية التقليدية التي تترك لدبي دور المركز التجاري والمالي.. رؤية 2030 تريد تحويل المملكة إلى مركز صناعي، سياحي، مالي، لوجيستي، وترفيهي، وهذا يعني أن السعودية لا تنافس الإمارات في ملف واحد، بل في وظيفة الدولة نفسها، إذ إن الرياض تريد أن تصبح مركز الثقل الاقتصادي للمنطقة، وأبوظبي ودبي لا تريدان فقدان موقعهما كمحور حركة المال والشركات والتجارة.. فثمة تقارير اقتصادية حديثة عن رؤية 2030 تشير إلى استمرار الإصلاحات وتقدمها، ولو بوتيرة متفاوتة، بينما تستثمر السعودية بقوة في اللوجيستيات وسلاسل الإمداد ضمن مشروعها للتحول الاقتصادي. الصدام هنا لن يكون عسكريًا. لا السعودية ولا الإمارات لديهما مصلحة في كسر التحالف الخليجي كليًا، لكن الصدام سيظهر في شكل منافسة على الشركات العالمية، الموانئ، السياحة، المناطق الحرة، العمالة الماهرة، الصفقات الكبرى، وأسعار الطاقة داخل أوبك وما بعدها.. والخلافات في اليمن أظهرت أن التوافق بين الطرفين ليس مضمونًا حين تختلف الأهداف المحلية، إذ كشفت تقارير حديثة عن توتر نادر بين الطرفين حول الجنوب اليمني ودعم المجلس الانتقالي، وهو ملف يكشف اختلافًا عميقًا: السعودية تريد «يمنًا» قابلًا للاحتواء على حدودها، بينما الإمارات تهتم أكثر بالسواحل والموانئ وباب المندب وشبكات النفوذ الجنوبية. إذا أردنا توصيف العلاقة بدقة، فهي ليست علاقة عداوة، بل علاقة “تحالف تنافسي”.. الطرفان يحتاجان لبعضهما في مواجهة إيران والفوضى الإقليمية، لكن كل طرف يريد قيادة النظام الخليجي الجديد.. فالإمارات تراهن على الشبكات والمال والممرات، بينما السعودية تراهن على الحجم والسوق والمشروعات العملاقة والشرعية الدينية والسياسية.. خلال السنوات المقبلة، ستزيد المنافسة، لكنها ستظل محكومة بسقف عدم الانفجار.. وسيكون الصدام صامتًا، عبر اللوائح والاستثمارات والتحالفات المحلية، لا عبر المواجهة المباشرة. الساحة الثالثة هي تركيا.. العلاقة الإماراتية– التركية مرت بتحول مهم: من خصومة سياسية حادة بعد 2011 إلى مصالحة براجماتية بعد 2021.. الخلاف الأصلي كان حول الإسلام السياسي، ليبيا، مصر، قطر، والقرن الأفريقي.. فالإمارات كانت ترى التمدد التركي تهديدًا لنموذجها الإقليمي، وتركيا كانت ترى الإمارات قوة ممولة لمعسكرات مضادة لها، لكن الطرفين اكتشفا لاحقًا أن الصدام المفتوح مكلف، وأن الاقتصاد قادر على فتح باب تهدئة.. تركيا احتاجت إلى استثمارات خليجية، والإمارات احتاجت لتقليل عدد الجبهات المفتوحة.. فيما تشير دراسات عن المصالحة التركية– الإماراتية إلى أن ليبيا والقرن الأفريقي ظلا اختبارين مهمين لهذه العلاقة، بينما أعادت تركيا فتح قنواتها مع الإمارات والسعودية منذ أواخر 2021 لجذب الاستثمار. لكن المصالحة لا تعني انتهاء التنافس.. ليبيا تحديدًا قد تصبح ساحة تقاطع لا صدام. فتركيا أعادت تموضعها في ليبيا، واقتربت من أطراف كانت سابقًا أقرب لمحور مناوئ لها، بما في ذلك تحركات باتجاه الشرق الليبي.. وهذا يعني أن أنقرة أصبحت أكثر مرونة، ولم تعد محصورة في معسكر واحد، أما بالنسبة للإمارات، فهذا التطور قد يكون مريحًا من جهة لأنه يقلل الاستقطاب، ومقلقًا من جهة أخرى لأنه يسمح لتركيا بالتغلغل في مناطق نفوذ كانت أبوظبي تراها أقرب إليها. الصدام مع تركيا إذًا، غير مرجح في شكله القديم. فالطرفان يتجهان إلى إدارة التنافس بدل تفجيره.. قد يتنافسان في ليبيا، الصومال، السودان، القرن الأفريقي، الصناعات الدفاعية، والموانئ، لكنهما سيحافظان على قنوات اقتصادية وسياسية مفتوحة.. هذا من مصلحة الإمارات لأنه يقلل عدد الخصوم في لحظة حساسة، ومن مصلحة تركيا لأنها تحتاج إلى الاستثمارات الخليجية، لكن التنافس سيبقى قائمًا، خصوصًا إذا عادت ملفات الإسلام السياسي أو شرق المتوسط إلى السخونة. الساحة الرابعة هي إسرائيل والولايات المتحدة، وهنا تبدو الصورة مختلفة. فالإمارات لا تصطدم بهما حاليًا، بل تعيد التموضع داخلهما.. اتفاقيات أبراهام لم تكن مجرد تطبيع، بل بوابة لإدخال الإمارات في منظومة تكنولوجيا أمنية واستخباراتية ومالية جديدة.. ففي 2025، بعد خمس سنوات من الاتفاقيات، استمرت العلاقات كإطار دبلوماسي واقتصادي قائم رغم توترات غزة وتعقيدات الإقليم، كما أن خلفية الاتفاقيات الأصلية، وفق دراسات متخصصة، ارتبطت بتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية عدة بوساطة أمريكية، مع أبعاد أمنية وسياسية واضحة. لكن هذا التموضع يحمل كلفة، إذ كلما اقتربت الإمارات من إسرائيل أمنيًا، زاد ابتعادها الشعوري عن قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي، خصوصًا في ظل استمرار المأساة الفلسطينية.. الإمارات تراهن هنا على أن الدول لا تُدار بالمزاج الشعبي، بل بالمصالح، لكن المراهنة على تجاهل الرأي العام العربي بالكامل قد تكون مكلفة على المدى الطويل، لأنها تضعف شرعيتها الرمزية وتمنح خصومها مادة سياسية دائمة.. إذا ظهرت الإمارات في وعي الشعوب كجزء من كتلة أمنية إسرائيلية- أمريكية ضد إيران أو ضد قوى عربية، فإن صورتها كدولة عربية شقيقة ستتآكل أكثر. الأخطر أن العلاقة مع واشنطن نفسها ليست خالية من المخاطر.. فالولايات المتحدة تريد من حلفائها وضوحًا أكبر في ملفات الصين، التكنولوجيا، العقوبات، وغسل الأموال.. الإمارات تريد أن تكون قريبة من واشنطن دون أن تخسر بكين وموسكو ونيودلهي. وهذا التوازن قد يصبح أصعب مع اشتداد الصراع الأمريكي– الصيني.. فإذا طالبت واشنطن أبوظبي بتقليل تعاونها التكنولوجي مع الصين، خصوصًا في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، ستجد الإمارات نفسها أمام اختبار حقيقي.. هي تريد التكنولوجيا الأمريكية والحماية الأمريكية، لكنها لا تريد التخلي عن التجارة الشرقية.. هنا قد لا يكون الصدام عسكريًا أو سياسيًا علنيًا، بل ضغط تنظيمي واستخباراتي ومالي. الساحة الخامسة هي القوى غير الدولتية: الحوثيون، جماعات موالية لإيران، شبكات مسلحة في السودان وليبيا واليمن، وربما جماعات غاضبة من التطبيع.. هذه الساحة هي الأكثر خطورة لأنها غير قابلة للردع التقليدي.. فالدولة يمكن التفاوض معها، أما الشبكات المسلحة فتتحرك بمنطق الرسائل، لا الاتفاقيات.. الإمارات اختبرت ذلك سابقًا عبر تهديدات وهجمات مرتبطة باليمن، ومع توسع دورها في مناطق هشّة، تزيد احتمالات أن تصبح مصالحها هدفًا لرسائل إقليمية. الميزة الإماراتية هنا أنها تملك أجهزة أمنية قوية، وبنية مراقبة متقدمة، وشراكات دفاعية، لكن العيب أن اقتصادها مكشوف نفسيًا.. «دبي» لا تتحمل صورة عدم الاستقرار.. سوق العقار لا تحب الأخبار الأمنية. الطيران لا يحب احتمالات الصواريخ. المستثمر الأجنبي لا يحتاج إلى يقين بالخطر كي يتراجع؛ يكفي شعور بأن المخاطر تتزايد، ولذلك فإن مواجهة الإمارات مع الفاعلين غير الدولتيين ستكون صراعًا على الصورة بقدر ما هي صراع على الأمن. الساحة السادسة هي العالم العربي نفسه.. وهنا لا نتحدث عن صدام مع دولة بعينها، بل عن صدام مع المزاج العام. الإمارات بنت نموذجًا يضع المصلحة فوق الإجماع، وهذا جعلها أكثر قدرة على الحركة، لكنه جعلها أقل قبولًا في بعض المجتمعات العربية.. ملفات مثل غزة، والسودان، واليمن، وليبيا تُستخدم في تشكيل سردية مضادة للإمارات: دولة غنية تتدخل، تطبّع، تشتري أصولًا، وتدير نفوذًا عبر وكلاء.. هذه السردية قد لا توقف الاستثمارات، لكنها تؤثر على الشرعية الناعمة. وفي عالم عربي تعود فيه السياسة الشعبية عبر وسائل التواصل، لا يمكن تجاهل هذا العامل. ثمن التحول للاعب فوق إقليمي السؤال الأهم: هل هذه التحركات في مصلحة الإمارات ومصلحة العرب؟ الإجابة ليست واحدة. فمن منظور إماراتي ضيق، نعم، كثير من التحركات مفهومة.. الدولة صغيرة، محاطة بتهديدات، وتريد أن تضمن أمنها في عالم مضطرب.. والاستثمار في الموانئ، التكنولوجيا، التحالفات، وتنويع الشراكات هو سلوك عقلاني لدولة تريد البقاء والتأثير. فيما التطبيع مع إسرائيل يمنحها أدوات أمنية وتكنولوجية، والعلاقة مع أمريكا تمنحها حماية.. وبينما تحصل على تجارة جراء علاقتها مع الصين والهند، يمنحها الانتشار في أفريقيا موارد وعمقًا. لكن من منظور عربي أوسع، الصورة أكثر تعقيدًا.. إذا أدى المشروع الإماراتي إلى تفكيك الموقف العربي، وإضعاف القضية الفلسطينية، وتعميق الصراعات بالوكالة، والسيطرة على أصول استراتيجية في دول ضعيفة.. هنا يصبح ضد المصلحة العربية الجامعة، أما إذا تحول إلى استثمارات حقيقية، بنية تحتية، تهدئة صراعات، وربط اقتصادي منتج، فقد يكون مفيدًا.. المشكلة ليست في قوة الإمارات في ذاتها، بل في طريقة استخدام هذه القوة: هل تُستخدم لبناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا، أو لبناء نفوذ خاص على حساب الدول الهشة؟ إعادة التموضع الإماراتية تتم الآن مع أربع دوائر في وقت واحد.. أولاها الدائرة الأمريكية–الإسرائيلية، وهي دائرة الأمن والتكنولوجيا والحماية، والثانية هي الدائرة الآسيوية، الصين والهند تحديدًا، وهي دائرة التجارة والطاقة والأسواق.. أما الدائرة الثالثة فهي الخليجية، حيث تحاول الإمارات ألا تخسر السعودية لكنها تريد ألّا تذوب في ظلها، فيما تكمن الدائرة الرابعة في الجنوب العالمي، خصوصًا أفريقيا والبحر الأحمر، حيث تبني الإمارات شبكة أصول وموانئ وموارد. هذا التموضع ليس انفصالًا كاملًا عن العالم العربي، لكنه خروج من فكرة الالتزام العربي التقليدي.. الإمارات تريد ألا تكون ضد العرب كهوية، لكنها لا تريد أن تكون مقيدة بهم ككتلة.. هي تريد عالمًا عربيًا قابلًا للإدارة، لا عالمًا عربيًا يقود قرارها.. تريد أن تكون قريبة من واشنطن دون أن تصبح تابعة، قريبة من تل أبيب دون أن تخسر كل العرب، قريبة من الصين دون أن تُغضب أمريكا، قريبة من السعودية دون أن تقبل بقيادتها المطلقة، وقريبة من أفريقيا دون أن تبدو قوة استعمارية جديدة. النتيجة أن الإمارات تدخل السنوات المقبلة وهي أقوى نفوذًا وأكثر تعرضًا للمخاطر في الوقت نفسه.. قوتها أنها تعرف ماذا تريد: عقد تجارية، أمن تكنولوجي، موانئ، استثمارات، نفوذ سياسي، ومرونة بين المحاور.. ضعفها أن هذا كله يجعلها موجودة في كل صراع تقريبًا. فمن يريد الضغط على واشنطن قد يستهدف حلفاءها، ومن يريد إزعاج إسرائيل قد يحرج شركاءها العرب، ومن ينافس السعودية قد يستثمر في الخلاف الخليجي، ومن ينافس تركيا قد يستخدم ليبيا أو القرن الأفريقي، ومن يرفض النفوذ الخليجي في أفريقيا قد يجعل الإمارات عنوانًا للغضب. الخلاصة الاستخباراتية للجزء الثالث أن الإمارات لن تذهب إلى صدام مباشر بإرادتها.. عقيدتها ليست الحرب المفتوحة، بل النفوذ المركب، لكنها قد تُسحب إلى صدامات غير مباشرة بسبب اتساع شبكتها.. أخطر صدام أمني محتمل سيكون مع إيران أو وكلائها.. أخطر صدام استراتيجي طويل سيكون مع السعودية.. أخطر صدام سياسي رمزي سيكون مع الرأي العام العربي بسبب إسرائيل وغزة والسودان.. أخطر صدام اقتصادي مستقبلي سيكون مع الولايات المتحدة إذا تعارضت علاقاتها الصينية مع متطلبات الأمن الأمريكي. الإمارات إذًا لا تقف على حافة حرب واحدة، بل على حافة احتكاكات متعددة، وهذه هي كلفة التحول من دولة صغيرة إلى لاعب فوق إقليمي.. كل نفوذ جديد يفتح بابًا جديدًا للخطر، وكل تحالف جديد يضيف خصمًا محتملًا، وكل ميناء جديد ينتج مصلحة يجب حمايتها.. وفي النهاية، ستُختبر الإمارات في قدرتها على إدارة هذه التناقضات دون أن تتحول من لاعب ذكي إلى طرف محاصر بشبكة صنعها بنفسه. اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/vhr8 الإعلامية دينا عبد الفتاحالإماراتالإمارات العربية المتحدةالحرب الإيرانيةالصراع في منطقة الشرق الأوسطحرب الولايات المتحدة مع إيراندينا عبد الفتاح