دينا عبد الفتاح تكتب: حرب بلا حدود.. مَنْ يحكم العالم الآن؟ السؤال لم يعد كيف ستنتهي الحرب فقط وإنما أي نظام عالمي سيخرج من تحت أنقاضها؟ بواسطة دينا عبد الفتاح 25 مارس 2026 | 1:58 م كتب دينا عبد الفتاح 25 مارس 2026 | 1:58 م دينا عبدالفتاح رئيس تحرير أموال الغد النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 46 منذ اللحظة التي تحولت فيها المواجهة العسكرية بين إيران من جانب والولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلي من الجانب الآخر من ضربات محدودة وسريعة ذات طابع تكتيكي، إلى صراع مفتوح يستهدف البنية التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة وطرق الملاحة الدولية، لم يعد من الممكن توصيف ما يجري بأنه حدث عسكري محلي أو نزاع إقليمي يمكن احتواؤه داخل حدود الشرق الأوسط. فقد تجاوزت الحرب منذ مراحلها الأولى الإطار الجغرافي الضيق، وتحولت إلى أزمة ذات امتدادات عالمية تمس استقرار الاقتصاد الدولي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. هذا التحول في طبيعة العمليات العسكرية– من اشتباكات موضعية إلى استهداف مباشر لشبكات الكهرباء ومصافي النفط وممرات الشحن– جعل المنطقة التي تُعد أصلًا القلب النابض لإمدادات الطاقة العالمية تتحول إلى نقطة اختناق استراتيجية تهدد بتعطيل جزء كبير من الاقتصاد العالمي.. فمضيق هرمز يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، وفق تقديرات منظمة الطاقة العالمية، وأي اضطراب مستمر فيه لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يشير إلى احتمال حدوث صدمة طاقية عالمية تمتد آثارها إلى التضخم والنمو والبطالة في عشرات الدول المستوردة للطاقة. إقرأ أيضاً مع اقتراب موسم الحج.. الريال السعودي يسجل مستوى تاريخي أمام الجنيه للسيطرة على التضخم.. ترجيحات بتثبيت «المركزي» أسعار الفائدة الخميس المقبل اتحاد شركات التأمين: 9 توقعات لتجديدات اتفاقيات الإعادة الفترة القادمة وقد انعكست هذه المخاوف سريعًا في المؤشرات الاقتصادية الدولية، فوفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي فإن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يؤدي في المتوسط إلى خفض النمو العالمي بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية خلال عام واحد، وهو ما يعني أن القفزات السعرية التي تجاوزت 40 دولارًا خلال أسابيع قليلة تحمل في طياتها خسائر محتملة بمئات المليارات من الدولارات في الناتج العالمي. كما حذّر عدد من القادة وصناع القرار من خطورة تحول النزاع إلى حرب إقليمية واسعة أو مواجهة دولية غير مباشرة، فقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة إلى أن “استهداف البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة يفتح الباب أمام تداعيات لا يمكن احتواؤها”، مؤكدًا أن العالم يقف أمام “منعطف خطير قد يعيد تشكيل النظام الدولي بأكمله”. أما على صعيد التحليل الإستراتيجي، فقد اعتبر العديد من الباحثين في مراكز الدراسات مثل مؤسسة بروكينجز الأمريكية أن طبيعة هذه الحرب تمثل تحولًا من صراعات تقليدية حول النفوذ والحدود إلى صراعات تستهدف شلّ قدرة الخصم الاقتصادية، وهو ما يُعرف في الأدبيات العسكرية الحديثة بحرب البنية التحتية أو “economic warfare”، حيث يصبح الهدف ليس فقط إضعاف الجيش، بل تعطيل الدولة والمجتمع والاقتصاد في آن واحد. وفي ظل اقتصاد عالمي يقدَّر حجمه بنحو 120 تريليون دولار في عام 2026، وفق بيانات البنك الدولي، فإن أي اضطراب طويل الأمد في تدفقات الطاقة أو في طرق التجارة البحرية لا يبقى تأثيره محصورًا في منطقة النزاع، بل ينتقل عبر الأسواق المالية وسلاسل الإمداد ليصيب دولًا تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحات القتال، ولهذا السبب، لم تعد هذه الحرب تُقرأ في العواصم العالمية باعتبارها أزمة شرق أوسطية، بل باعتبارها اختبارًا مباشرًا لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية الكبرى. ومن هنا، فإن وصف الصراع بأنه “حرب إقليمية” أصبح توصيفًا قاصرًا لا يعكس حجمه الحقيقي ولا طبيعة تداعياته، فالواقع أن ما يجري هو مواجهة متعددة المستويات: عسكرية في الميدان، واقتصادية في الأسواق، وسياسية في المؤسسات الدولية، واستراتيجية في حسابات القوى الكبرى التي تراقب تطور الأحداث، واثقة من أن هذا النزاع هو الشرارة التي تعيد رسم موازين القوة في النظام العالمي بأكمله. ولا يمر هذا التحول دون أن يترك بصمته الفورية على سلوك الأسواق والمؤسسات الدولية، إذ إن أول ما يتأثر في مثل هذه النزاعات ليس الجبهات العسكرية، بل ثقة المستثمرين واستقرار تدفقات الطاقة، ومع تصاعد التهديدات التي طالت منشآت النفط وطرق الشحن، خاصة في مضيق هرمز، بدأت أسواق الطاقة في إعادة تسعير المخاطر بوتيرة أسرع من تطور الأحداث نفسها على الأرض، فقد ارتفعت عقود النفط الآجلة بشكل حاد، ليس نتيجة توقف فعلي في الإمدادات، بل بسبب توقعات المستثمرين بإمكانية انقطاعها في أي لحظة، وهو ما يعرف في الاقتصاد الطاقي بعامل “علاوة المخاطر الجيوسياسية”.. هذه الاستجابة المبكرة من الأسواق تعكس حقيقة أن الاقتصاد العالمي الحديث لم يعد ينتظر وقوع الأزمة حتى يتأثر بها، بل يتفاعل مع احتمالاتها، الأمر الذي يجعل الحروب المعاصرة قادرة على إحداث اضطرابات اقتصادية عالمية حتى قبل أن تتوسع عسكريًا. وفي هذا السياق، حذرت مؤسسات مالية مثل صندوق النقد الدولي من أن استمرار التوتر في مناطق إنتاج الطاقة قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة على مستوى العالم، خاصة في الدول المستوردة للنفط التي تعاني أصلًا من ارتفاع الديون وضعف العملات المحلية. ومع اعتماد أكثر من 80% من التجارة العالمية على النقل البحري، فإن أي تهديد دائم لسلامة الممرات الاستراتيجية لا يؤثر فقط في أسعار الطاقة، بل يمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، وهو ما يحول الصراع من أزمة جيوسياسية إلى عامل ضغط مباشر على معيشة الأفراد وأسعار السلع الأساسية في مختلف القارات. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا المشهد المتصاعد لا يتعلق فقط بكيف ستنتهي هذه الحرب، بل بأي نظام عالمي سيخرج من تحت أنقاضها، ومن سيملك حق قيادته؟ فلعقود طويلة، عُدَّت الولايات المتحدة القوة المهيمنة على النظام الدولي سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وكانت تقدم نفسها بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار العالمي وحارس ما يُعرف بالنظام القائم على القواعد، غير أن السنوات الأخيرة، وما شهدته من قرارات أحادية متكررة، أدت إلى تآكل هذه الصورة تدريجيًا، وفتحت الباب أمام تساؤلات حقيقية حول مدى التزام واشنطن نفسها بالقواعد التي طالما طالبت الآخرين باحترامها. فمنذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، اتخذت الولايات المتحدة سلسلة من الخطوات التي عدَّها كثيرون خروجًا واضحًا عن الإطار التقليدي للعمل الدولي المشترك.. فقد تم الانسحاب من اتفاقيات دولية كبرى، وتجاهل آليات التشاور مع الحلفاء، واتخاذ قرارات عسكرية أو سياسية دون تفويض صريح من مؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة.. هذا النمط من القرارات لم يقتصر تأثيره على خصوم الولايات المتحدة، بل امتد ليشمل حلفاءها أنفسهم، الذين وجدوا أنفسهم أمام شريك استراتيجي يصعب التنبؤ بخطواته أو الاعتماد على استمرارية التزاماته. ومع اندلاع الحرب الحالية وتصاعدها إلى مستوى يهدد استقرار الطاقة والتجارة العالمية، عادت هذه السياسات لتُقرأ في سياق أكثر خطورة، فالدول الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد في أمنها على القانون الدولي والتوازنات المؤسسية، بدأت تتساءل عما إذا كانت القواعد تُطبّق فعلًا على الجميع أم أنها تتغير تبعًا لموقع الدولة في هرم القوة العالمي.. هذا الشعور بعدم المساواة في تطبيق القانون الدولي لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح واقعًا سياسيًا ينعكس في مواقف البلدان داخل المنظمات الدولية وفي سعي بعضها لبناء تحالفات بديلة أو تعزيز استقلالها الاستراتيجي. كما أثارت القرارات العسكرية التي اتُّخذت خارج سياق إجماع دولي نقاشًا أخلاقيًا واسعًا حول مدى مراعاة المعايير الإنسانية والاقتصادية في استخدام القوة، خاصة عندما تؤدي هذه القرارات إلى تعطيل إمدادات الطاقة أو إلى تدهور الأوضاع المعيشية لملايين المدنيين خارج نطاق ساحات القتال. ورغم وجود أطر قانونية وهيئات دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية تنظم نظريًا استخدام القوة وتحاسب على الجرائم الدولية، فإن قدرة هذه المؤسسات على مساءلة القوى الكبرى تظل محدودة في الواقع العملي، وهو ما يعمّق الإحساس بوجود فجوة واضحة بين المبادئ المعلنة والتطبيق الفعلي على الأرض. في ضوء ذلك، لم يعد النقاش العالمي محصورًا في تقييم نتائج هذه الحرب أو حساب خسائرها الاقتصادية، بل اتسع ليشمل سؤالًا أكثر حساسية يتعلق بشرعية القيادة العالمية نفسها: هل يستطيع العالم الاستمرار في الاعتماد على قوة واحدة تتخذ قراراتها بصورة أحادية وتفرض آثارها على بقية الدول، أو أن تكرار هذه الأزمات سيدفع النظام الدولي تدريجيًا نحو تعددية قطبية، حيث تسعى قوى أخرى إلى موازنة النفوذ الأمريكي وتقليص القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تمس العالم بأسره دون رقابة أو محاسبة حقيقية؟ وفي هذا السياق، لم تعد القضية مرتبطة فقط بانتقاد سياسات دولة بعينها، بل بمسألة أعمق تتعلق بمستقبل مفهوم الشرعية الدولية نفسه، فإذا استمرت القوى الكبرى في تجاوز القواعد التي وضعتها هي أساسًا، فإن بقية الدول ستفقد الحافز للالتزام بها، وعندها سيكون العالم، أمام نظام يفقد قدرته على فرض أي شكل من أشكال الانضباط أو الاستقرار، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة تاريخية تتسم بارتفاع النزاعات وتراجع الثقة وتزايد الاعتماد على القوة كأداة رئيسية لحسم الخلافات. دينا عبد الفتاح الكاتبة الصحفية ورئيس تحرير مجلة أموال الغد اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/zys3 الحرب الأمريكية الإيرانيةالحرب على إيرانالنظام الإيرانيالولايات المتحدة الأمريكيةحروب الشرق الأوسطدونالد ترامب