الفيدرالي بين الاستقلال والتسييس: من جونسون إلى ترامب بواسطة دينا عبد الفتاح 28 أغسطس 2025 | 8:30 ص كتب دينا عبد الفتاح 28 أغسطس 2025 | 8:30 ص الإعلامية دينا عبدالفتاح النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramThreadsBlueskyEmail 48 منذ تأسيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1913 عقب أزمة مصرفية كبرى ضربت الأسواق عام 1907، كان الهدف الأساسي واضحًا: بناء مؤسسة نقدية مستقلة تحمي الاقتصاد من تقلبات السياسة قصيرة المدى. كان المشرّعون يدركون أن أي اقتصاد حديث لا يمكن أن يستقر إذا خضعت القرارات المتعلقة بالفائدة، والتضخم، والسيولة، لأهواء الرئيس أو ضغوط الحزب الحاكم. لذلك، صُمِّم الفيدرالي ليكون بعيدًا عن البيت الأبيض والكونغرس، أشبه بمؤسسة “حَكم” تقف فوق السياسة لا داخلها. وبفضل هذه الاستقلالية، بنى الدولار سمعته كعملة احتياطية عالمية، وأصبح رمزًا للثقة الدولية طوال قرن كامل. إقرأ أيضاً رئيس الفيدرالي الأمريكي: تأثير التعريفات الجمركية على التضخم لم يتضح بعد جيروم باول: الفيدرالي «في موقع جيد» لانتظار المزيد من البيانات قبل خفض الفائدة الفيدرالي الأمريكي يواصل تجاهل «ترامب» ويُبقي على أسعار الفائدة دون تغيير اليوم يتعرض هذا الجدار الذي صمد عقودًا لاختبار غير مسبوق. فالرئيس الحالي دونالد ترامب لم يكتفِ بالنقد العلني أو التغريدات الموجهة ضد رئيس الفيدرالي كما فعل في ولايته الأولى، بل صعّد المواجهة إلى مستوى أعمق: التلويح بإقالة محافظين مثل ليزا كوك، والسعي لتمكين شخصيات حزبية موالية من دخول مجلس المحافظين، بل والسيطرة على تعيينات البنوك الإقليمية. هذه ليست مجرد ضغوط ظرفية، بل محاولة ممنهجة لإعادة تعريف العلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالي. الأخطر أن هذا يحدث في ظرف عالمي حساس: عجز مالي أمريكي تاريخي، تراجع ثقة الأسواق، صعود منافسين مثل الصين والبريكس، وتسارع حركة فك الارتباط بالدولار. أي اهتزاز في صورة الفيدرالي قد لا يبقى شأنًا داخليًا، بل قد يفتح الباب لتحولات هيكلية في النظام المالي العالمي تسييس الفيدرالي لا يتوقف عند قرار الفائدة فقط، بل يتجلى في أشكال متعددة من الاختراق السياسي، كثير منها نراه اليوم في المشهد الأمريكي، وأهمها: • الضغط على تشكيل القيادة: محاولة إقالة محافظين لا يتماشون مع توجهات الإدارة، وترشيح شخصيات حزبية بدلًا من خبراء محايدين. • التدخل في توقيت القرارات: النقاش المستمر حول تأجيل أو تسريع قرارات الفائدة بما يخدم الحملات الانتخابية. • تمويل العجز الحكومي: تصاعد التكهنات بأن الفيدرالي سيُجبر على شراء السندات الحكومية بكثافة لتمويل العجز المتفاقم. • التحكم في الرسائل الإعلامية: تحويل المؤتمرات الصحفية والبيانات النقدية إلى أدوات سياسية لتسويق إنجازات السلطة. • الضغط عبر التشريعات: طرح قوانين تحد من استقلالية الفيدرالي وتخضعه لرقابة حزبية مباشرة. • استخدام الإعلام كسلاح: الهجوم الإعلامي المستمر على جيروم باول وتقديم الفيدرالي كعقبة أمام النمو. • تحميل الفيدرالي مسؤولية الأزمات: ربط التباطؤ الاقتصادي أو ارتفاع البطالة بقرارات البنك، رغم أن العجز المالي والسياسات التجارية هي السبب الأعمق. • التأثير على الأبحاث والبيانات: المخاوف من ممارسة ضغوط لحجب أو تعديل بيانات غير مريحة سياسيًا. • التعيينات الحزبية في المناصب العليا: السعي لتسييس البنوك الإقليمية عبر إدخال كوادر حزبية. • الضغط عبر الأزمات المفتعلة: إدارة ملف سقف الدين كوسيلة ابتزاز لدفع الفيدرالي إلى قرارات مرغوبة. هذه الأشكال قد لا تحدث كلها في وقت واحد، لكنها تتكامل كلوحة مترابطة تفسر كيف يمكن أن يتحول الفيدرالي، من مؤسسة صُمّمت لتكون صمام أمان للاقتصاد العالمي، إلى مجرد أداة سياسية تُساق وفق إرادة السلطة التنفيذية، وهو التحول الأخطر على الإطلاق. من جونسون إلى ترامب: التاريخ السري لمحاولات الرؤساء الأمريكيين ترويض الفيدرالي رغم أن الاستقلالية المؤسسية للفيدرالي كانت دائمًا خطًا أحمر معلنًا، فإن الرؤساء الأمريكيين لم يتوقفوا عبر العقود عن محاولات ترويضه أو على الأقل التأثير عليه. • في الستينيات مارس ليندون جونسون ضغوطًا علنية على رئيس الفيدرالي ويليام ماكشيسني مارتن، ووبخه لأنه فكر في رفع أسعار الفائدة خلال حرب فيتنام، بل وصل الأمر إلى مواجهته وجهًا لوجه في مزرعته بتكساس قائلاً: “جنودي يقاتلون في الخارج وأنت ترفع الفائدة ضدي؟”. • في السبعينيات أجبر ريتشارد نيكسون رئيس الفيدرالي آرثر بيرنز على تيسير نقدي واسع قبل انتخابات 1972 لضمان إعادة انتخابه، وهو ما أدى إلى موجة تضخم مدمرة. • في التسعينيات هاجم جورج بوش الأب علنًا آلان جرينسبان معتبرًا أن رفضه خفض الفائدة بالقدر الكافي ساهم في خسارته الانتخابات أمام بيل كلينتون. • حتى الرؤساء الذين تجنبوا المواجهة العلنية مثل ريغان لم يخفوا امتعاضهم من سياسات بول فولكر الصارمة في رفع الفائدة. لكن ما يفعله ترامب اليوم يختلف جذريًا. فبينما كانت الضغوط السابقة مرتبطة بلحظة انتخابية أو ظرف اقتصادي عابر، فإن ترامب يسعى إلى إعادة تعريف علاقة البيت الأبيض بالفيدرالي، بحيث يتحول البنك من مؤسسة مستقلة إلى أداة ضمن أدوات الحكم المباشر. الخطر أن هذه المحاولة تأتي في وقت حساس: اقتصاد أمريكي مثقل بالعجز، وأسواق مالية مترابطة عالميًا، وحركة متسارعة لفك الارتباط بالدولار. لذلك، فإن النقاش لم يعد عن مدى تدخل الرؤساء في الفيدرالي، بل عن حقبة جديدة قد تُنهي استقلالية المؤسسة تمامًا. الاحتياطي الفيدرالي لم يكن مجرد بنك مركزي، بل كان عنوانًا لمصداقية الدولار وهيمنة أمريكا الاقتصادية. أي مساس باستقلاليته يعني أن السياسات الحزبية قصيرة المدى أصبحت تتحكم في أعصاب النظام المالي العالمي. وإذا كانت ضغوط جونسون ونيكسون وبوش الأب خطيرة لكنها ظرفية، فإن ما يحدث اليوم أخطر بما لا يُقاس: إنه إعادة كتابة قواعد اللعبة. لذلك، فإن الدفاع عن استقلالية الفيدرالي لم يعد مسألة أمريكية داخلية، بل قضية دولية تخص كل دولة وكل اقتصاد يرتبط بالدولار اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/mxkz أسعار الفائدة الأمريكيةاستقلال الفيدرالي الأمريكيالاحتياطي الفيدراليالدولار الأمريكي والأسواق العالميةالسياسة النقدية الأمريكيةتأثير البيت الأبيض على البنك المركزيتاريخ الفيدرالي من جونسون إلى ترامبتسييس البنك المركزيدونالد ترامب والفيدرالي