أزمة العالم وأبجديات «المرور الآمن» !

خرائط العالم تغيرت، وما هو قادم على المستوى الدولي ليس بمألوف منذ الحرب الباردة

دينا عبدالفتاح
بنك البركة

تضخم عالمي جامح.. حرب تهدد بإنهيار الجانب الأكبر من الكرة الأرضية حال تدخل المزيد من الأطراف في النزاع المسلح.. فيروس مازلنا لا نعلم عنه الكثير ولا عن مستقبل متحوراته.. تلك هي الأضلاع الثلاثة التي ترسم مثلث الوضع الاقتصادي العالمي في المرحلة الراهنة، وكأن الظروف اجتمعت على محاصرة اقتصاديات العالم وتحديداً الاقتصاد المصري في وقت انطلاقته ونهوضه وتحوله من النمو المحدود إلى النمو السريع ومن التقشف إلى الرفاهية ومن سنوات التراجع إلى التقدم والإزدهار.!

فخرائط العالم تغيرت وفقا لهذه المستجدات، وما هو قادم على المستوي الدولي ليس بمألوف منذ الحرب الباردة، فالقوة ستتفتت والمصالح ستحكم والفاتورة سيدفعها الجميع.

ABK 729

ولكن على الرغم من كل ذلك مازال الاقتصاد المصري صامداً أمام الأزمات، فلم تنقص سلعة واحدة بالأسواق، ولم تتأذى العملة المحلية بشكل قوي، ولم تفقد الدولة قدرتها لحظة على سداد إلتزاماتها، ولم تخفق في توفير السلع الاستراتيجية بمخزون يمتد لعدة أشهر قادمة، ولم تتوقف أيضا عن دعم الفئات الفقيرة، ولم يضطرب السوق ويحقق حالات تخارج ملحوظة، بل استمرت الأوضاع بشكل مرضي، مع الاعتراف بالمعاناة من الارتفاعات المتتالية في الأسعار شأننا كشأن العالم أجمع، واعترافنا كذلك بضرورة النظر إلى الوضع المالي للدولة خلال المرحلتين الراهنة والقادمة وإعادة هيكلة بعض الأمور لمواجهة التزاماتها سواء المتعلقة بالعملة المحلية أو العملة الأجنبية ولموائمة التداعيات العالمية الحالية وهو مايحدث استنادا لقوة سياساتنا المالية والنقدية.

فالقيادة السياسية والحكومة نجحت في تقييد الآثار السلبية للأزمة العالمية على اقتصاد مصر، وأبقت علي حظوظ الاقتصاد في النمو والتطور بالرغم من التحديات الكبرى، فمازال الاقتصاد المصري يمثل نقطة مضيئة على خريطة الاستثمارات العالمية، ومازال سوقاً سياحياً جاذباً، ومازال نقطة اتصال رئيسية في سوق التجارة الدولية، ومازال يُنفذ على أرض الواقع تجربة اقتصادية رائدة شهد العالم بقوتها ونجاحها وريادتها.

لذا يجب مساندة ودعم وتقديم التحية أيضا إلى كل من عمل بجد واجتهاد من أجل وقوف مصر أمام هذه الأزمات وتعزيز وضعها الاقتصادي لتبقى الخسائر عند الحدود الدنيا، وتبقى المخاطر عن أقل المستويات الممكنة.

فالمنطق العقلي في النقد يجب أن يحوي أبجديات الواقع ولاينفصل عنه لحسابات أيدلوجية غير محايدة بنظرية تحمل شعار “كل شىء تمام، أوكل شىء سىء”! ، فهذه حسابات لا تصلح حتى لتقييم وجبة عشاء ! .

ولكن علينا الاعتراف بعدة نقاط أهمها؛ ستستمر هذه الظروف الصعبة لفترة قد تمتد إلى ما بين العام والعام والنصف من الآن “إلا إذا جارت ألة الحرب العالمية وارتفع ضجيجها”، بما يعني أن مرحلة التعافي في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً قد تحدث في النصف الثاني من 2023، وأن هناك المزيد من الخسائر التي لم نتحملها بعد، والتي ستنجم عن التراجعات المتوقعة في تدفقات العملة الصعبة، مع تزايد فاتورة الاستيراد نتيجة لارتفاع أسعار السلع وخدمات النقل والشحن عالمياً.

كما أن الصناعة المحلية حتماً ستواجه المزيد من الضغوطات خلال المرحلة المقبلة تارة لارتفاع تكاليف الانتاج بشكل مطرد نتيجة صعود أسعار المواد الأولية وتكلفة الشحن الدولي، وتارة أخرى لتراجع الطلب الكلي المدفوع بتأثر دخول المستهلكين بالأزمات الحالية، وهنا ستتشكل المزيد من الضغوط على النمو في الناتج المحلي الإجمالي.

وبالتالي فعلينا أن نتقبل الأوضاع الصعبة التي ستستمر معنا لفترة ليست بالقليلة، وأن نأقلم أنفسنا معها، وأن نبذل المزيد من الجهد للتعايش السلمي معها دون أن تلحق بنا خسائراً قد لا نستطيع تحملها.

وهنا ما هي الحلول التي قد تخفف من وطأة الازمة وتأثيراتها في المرحلة المقبلة؟

هذه الحلول لن ترتبط بالحكومة وحدها، ولكنها ترتبط بالأطراف الثلاثة للمنظومة الاقتصادية؛ البائع أو المستثمر، والمستهلك أو المواطن، والحكومة باعتبارها منظم العملية الاقتصادية وصانع القرار ومدير السياسات المالية والنقدية والتجارية.

لذا كل طرف من هذه الأطراف مطالب بأن يغير أو يطور من فلسفته في التعامل مع الأمور حتى نضمن المرور الآمن من هذه الأزمة التي ستفتك بدولا كاملة، وستكتب حتماً نهاية تقدم العديد من الاقتصاديات التي بدأت عهد الازدهار منذ سنوات طويلة.

سأبدأ بالحكومة؛ باعتبارها المؤثر الأكبر في السوق باعتبارها صانع السياسات؛ فعليها أن تحدث من سيناريوهات التعامل مع الأزمة بصفة مستمرة، وأشكر في هذا الصدد رئيس الوزراء الدكتور مصطفي مدبولي الذي أعلن في مؤتمره الصحفي الذي عقده في النصف الأول من مايو أنه سيعقد اجتماعاً دورياً مع لجنة إدارة الأزمة لإعادة تقييم الأمور المتعلقة بها، وهذا بالفعل هو المطلوب في ظل تسارع المتغيرات، وتطورها بشكل لافت، كما خرج بمجوعة من التدابير والإجراءات الاقتصادية المهمة لامتصاص تداعيات الأزمة.

على مستوى السياسات الاقتصادية، على الحكومة أن توازن بين الأهداف الانكماشية التي تستهدف تقييد صعود التضخم، وبين الأهداف الإنمائية التي تستهدف ضرورة إبقاء الاقتصاد بعيداً عن الركود، بمعنى ضرورة اتباع سياسة متوازنة إلى حد ما جانب منها يعمل بشكل جاد لتقييد الزيادات في الطلب الكلي التي قد تنجم عن نمو المعروض النقدي وتلك الجزئية يجيدها البنك المركزي المصري تحت قيادة طارق عامر بشكل متميز وسجل نجاحات متعددة فيها، بينما يحفز الجانب الآخر حركة البيع والشراء في القطاعات الرئيسية لإبقاء النمو في الانتاج والتشغيل عند معدلات مقبولة تتفق مع خطط الدولة للنمو والتوظيف ومقاومة الفقر.

كما ينبغي أن توسع الدولة سياسات دعم القطاع الخاص التي تحدث عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي في أكثر من مناسبة وبدأت بالفعل الحكومة في تنفيذها حتى تمنح القطاع الخاص مساحة أكبر للاستثمار والانتاج بمحفزات غير تقليدية تشجعه على التصدي للأزمات الحالية وعدم إرجاء خططه التوسعية لحين استقرار الأوضاع عالمياً، فلابد أن يشعر المستثمرون أن قوة الاقتصاد المصري تفوق قوة الأزمة وقدرتها على اختراقه وإنهاك قواه حتى يطمئن لاتخاذ قراراته الاستثمارية والتوسعية دون الشعور بالقلق وعدم الثقة في المستقبل.

آخر ما سأقترحه على الحكومة أن تواصل وتوسع من دعمها للفئات الفقيرة التي أنهكها ارتفاع أسعار المستورد من الخارج، وأن تمنح جانباً من هذا الدعم للفئات المتوسطة التي كانت بمثاة حجر الزاوية في استمرار العديد من القطاعات وفي مقدمتها القطاعين السياحي والتجاري في تسجيل معدلات مبيعات عالية خلال الأزمات السابقة، وذلك نتيجة استمرار هذه الفئة في عمليات الشراء والاستهلاك وبالتالي ضمان استمرار دوران عجلة الانتاج والتشغيل.

أما المستثمرين، فهم مطالبين بالعمل بشكل أكثر مرونة وأكثر حرصاً، فلا داعي لتجميد كل خطط التوسع، ولا داعي أيضاً للتساهل في تنفيذها، خاصة أن جميع المواد والسلع الاستثمارية الآن عند مستويات مرتفعة وبناء الخطة الاستثمارية على هذا الوضع سيتطلب البيع بأسعار عالية في المستقبل لتحقيق عائد مناسب على الاستثمار، وبالتالي فقد ينصح بالتأني في اتخاذ الخطوات التي يترتب عليها قرارات تسعير طويلة الأجل، أما الاستثمارات الإضافية التي تتسم بالمرونة وينتج عنها زيادة في الانتاج دون التأثير على سياسات البيع في الأجل الطويل فيمكن تنفيذها في المرحلة الحالية أخذا في الاعتبار أن أزمة سلاسل التوريد ستبقى قائمة لفترة طويلة نسبياً ومن ثم سيبقي البيع في السوقين المحلي والعالمي سهلاً نظراً للانخفاض النسبي في المعروض على الرغم من ارتفاع الأسعار وموجات الانكماش النقدي الحالية.

رسالة أخرى إلى المستثمرين، جميع الشركات قامت بإعادة تسعير منتجاتها وخدماتها خلال الفترة الماضية، ولا شك أن الجميع أو النسبة العظمى رفعوا الأسعار بمعدلات تفوق الزيادات في تكلفة الانتاج، وبالتالي قد يكون من العدل تحريك مستويات أجور العاملين حتى نحافظ على قدرتهم الشرائية وقدرتهم علي تلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية في ظل ظروف صعبة، ولابد أن لا يتم التلويح بورقة الأزمة في وجوههم بشكل دائم، خاصة وأن المؤشرات الأولية لنتائج أعمال الشركات ستكشف أن الأسعار الجديدة ستعزز من أرباحها!

أخيراً المستهلك، الأوضاع الصعبة الحالية ستستمر لوقت طويل نسبياً، ولا يوجد شيئاً مضموناً في المستقبل، وبالتالي ينصح في هذه الظروف بأن لا يتم اتخاذ قرارات شرائية يترتب عليها التزامات كبيرة في المستقبل، فالدخول نفسها لم تصبح مضمونة، كما أن التسارع المستمر في أسعار السلع والخدمات الأساسية قد يدفع لاختفاء المدخرات أو الفوائض المالية في المستقبل.

وفي حالة وجود مدخرات فإنه ينصح بالمحافظة عليها بشكل يحفظ قيمتها من خلال وسيلة استثمارية آمنة ومجدية مع حفظها في أدوات استثمار تتسم بقدرة متوسطة على التسييل السريع تحسباً لاحتياجها في المستقبل القريب لأي ظرف كان، وعدم الانسراف وراء وعود الربح السريع التي تودي حاليا لمصائب ، مع تذايد ظاهرة “المستريحين” التي كشفت الأيام الماضية أنها منظومة ممنهجة تتوغل داخل محافظات الجمهورية ويجب تفتيتها بقوة القانون وقوة الوعي الجمعي حيث تمثل افة خطيرة على المجتمع والاقتصاد.

في النهاية علينا جميعاً أن نحسن من تصرفنا في مواجهة هذه الأزمة، مع إيماننا الكامل بأنها ستمر، كما مر عشرات الأزمات قبلها، وأننا قادرون على المرور كما مررنا من قبل ، والمضي بثقة نحو المستقبل.

 

 

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض

اترك تعليق