«تجربة سويفل».. والحديث الآخر!

دينا عبد الفتاح

انغرسنا لسنوات في الحديث عن دعم رواد الأعمال في مصر والشركات الناشئة باعتبارها الطريق الأساسي للنهوض الاقتصادي في الدول الناشئة التي تبحث عن تجربة صعود ومنها مصر بالتأكيد، ولكن لم نرصد طفرة حقيقية في هذا المجال لأسباب كثيرة تتعلق بالتمويل والتشريعات إلى جانب عدم وجود نماذج ناجحة يمكن الإشارة إليها والبناء عليها في التعبير عن “تجربة حقيقية لمصر في ريادة الأعمال”.

لكن الحديث عن ريادة الأعمال يختلف الآن في ظل حالة من الحراك يمكن بناء عليها مجموعة من الرهانات، والتفاؤل بما هو قادم مع الأخذ في الاعتبار العديد من المحددات التي يجب أن تأخذ في الحسبان والعديد من المعوقات التي يجب أن نعيد النظر فيها.

حيث شهد الشهر الماضي الإعلان عن اندماج شركة سويفل المصرية  للحلول الذكية للنقل الجماعي مع شركة الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة “كوين جامبيت جروث”،  وإدراجها في بورصة ناسداك، لتتجاوز قيمتها مليارًا ونصف مليار دولار، وهي الشركة التي حققت نجاحها في مصر وانطلقت منها لأكثر من 10 دول رغم أن مقرها الرئيسي يقع في دبي.

وهو مايشير إلى أن الطريق مفتوح أمام العديد من الشركات الناشئة المصرية لتحقيق مثل هذه النجاحات إذا تحلت بالجرأة الممكنة وإذا كنا كدولة نوفر كافة الأدوات والحوافز لفتح الباب أمام مئات الشركات الناشئة، خاصة وأننا نملك قاعدة استهلاكية قوية وطلبا متنامي على الخدمات التكنولوجية وهو ما يشكل عنصرًا بارزًا في معادلة نمو الشركات الناشئة.

فكيف نضمن خلق بيئة عمل مناسبة للبناء على هذا التفوق، وهل لهذه التجربة جوانب سلبية.

الحقيقة تشير إلى أننا أمام شركة صنعت نجاحها في مصر بفريق مصري خالص، لكنها قررت أن تكون مقرها الرئيسي في دبي لاستغلال الحوافز والفرص التي توفرها للشركات الناشئة داخليا وخارجيا، والمرونة المقدمة في أنشطة الأعمال على كافة الأوجه بالمقارنة بمصر، وهو ما يعطي إشارة إلى المنافسة المتواجدة في هذا الإطار، ويطرح العديد من الأسئلة التي نحتاج للإجابة عليها للوصول إلى أفضل الممارسات حول حوكمة رأس المال المخاطر وصناديق الاستثمار في الشركات الناشئة بما يعزز من مناخ ريادة الأعمال، وكذلك تحديد أولويات التطوير والتعديلات التشريعية اللازمة والخطوات التي يجب أن تتخذها الحكومة والقطاع الخاص ورواد الأعمال لتحقيق الاستفادة القصوى من نمو وازدهار قطاع الشركات التكنولوجية الناشئة وانتشار الفكر الريادي في مصر.

الأرقام تشير إلى أن قطاع الشركات الناشئة المصرية وفقا لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات” ايتيدا” والتي تقود بنجاح قطاع عريض منها، نجح في اقتناص نسبة 24% من عدد الصفقات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقيمة تتخطى 190 مليون دولار في النصف الأول من العام الجاري ، وحقق حجم الاستثمارات بالشركات الناشئة المصرية نموًا ملحوظًا خلال عام 2020 بنسبة 30% وبمعدل نمو سنوي مركب بنسبة 100% خلال الفترة من 2015-2020.

كما تمثل الاستثمارات الأجنبية في الشركات المصرية الناشئة نسبة 32% من إجمالي الاستثمارات، وتليها الإمارات (بنسبة 21%)، والسعودية (18%) مما يعكس ثقة المستثمر الأجنبي وصناديق رأس المال المخاطر العالمية في مناخ ريادة الأعمال والشركات التكنولوجية الناشئة المصرية وهو مايجب استغلاله والبناء عليه بالشكل المطلوب.

فلتعزيز دور الاستثمارات الريادية والشركات الناشئة في دعم الاقتصاد المصري علينا الاتفاق أن جميع المشروعات الناشئة حول العالم محورها الرئيسي هو «الفكرة» والسر الأول في نجاحها قدرة رائد الأعمال على المغامرة وتنفيذ فكرته حتى ولو كانت احتمالات الفشل تساوي أو تفوق احتمالات النجاح.

وبالتالي يمكننا الجزم بأن رواد الأعمال هم أفراد ذوي ثقافة مختلفة عن باقي أفراد المجتمع، باعتبارهم أفراد قادرين على التفكير وصياغة أفكارهم في خطط عملية، ولديهم القدرة على المغامرة والمخاطرة واتخاذ القرار بالبداية دون التخوف المبالغ فيه من الفشل.

لذا يجب أن نهيئ شبابنا وأبنائنا لاكتساب هذه الثقافة ومن البديهي أن يتم ذلك من خلال عدة قنوات يتأثر بها الفرد أو الطفل أو الشاب في تشكيل ثقافته بداية بالأسرة، ثم المدرسة، ثم الجامعة والإعلام وغيرها من الوسائل.

ولعل أهم هذه الأمور هو تشكيل شخصية الفرد بداخل أسرته، فعلي كل رب أسرة أن يوجه أبناءه للمغامرة والتفكير خارج الصندوق والوصول إلى الأفكار الريادية والمختلفة، واتخاذ القرار بالتجربة وتصويب الأخطاء والعودة للتجربة مرة أخرى حتى يستطيع النجاح ويحقق ما يريد أو يهدف إليه.

وعلي الأسرة أن تترك الطفل يشكل جانب من شخصيته بنفسه وفقاً لاهتماماته وهواياته وسماته الشخصية دون أن نتدخل في كل كبيرة أو صغيرة في حياة الطفل يجعل منه شخص اعتمادي على الآخرين حتى ولو كانوا هؤلاء الآخرون هم أسرته وأخوته.

ومن الأسرة إلى النظام التعليمي الذي يمثل جانباً رئيسياً ومحورياً في تشكيل شخصية الطفل، أو الطالب فلابد أن يزرع بداخل كل فرد القدرة على البحث وتوسيع الآفاق، والاطلاع على كل ما هو جديد، وقبل كل ذلك أن يحدد اهتماماته التعليمية بما يتوافق مع سماته الشخصية وتوجهاته ورغباته، دون أن يتأثر كثيراً برأي الأسرة أو ما يقوله المجتمع حول مفاهيم مغلوطة تتعلق بكليات القمة وكليات القاع!

ونجحت مصر على مدار السنوات الماضية في تعزيز المنظومة التعليمية بشكل كبير وتحديث أساليب التدريس فيها عن طريق توسيع دائرة إطلاع الطلاب وعدم قصرها على الكتب المدرسية وفق أسلوب تعليمي تقليدي كان يقوم بشكل رئيسي على الحفظ والتلقين.

فاليوم أصبح كل طالب مضطر إلى الدخول إلى شبكة المعلومات الدولية الانترنت وانتقاء المعلومات منها، والاطلاع على الأبحاث والدراسات، واستنتاج الأفكار والمبادئ التي تخدم دراسته.

ولعل هذه الطريقة هي بمثابة أداة رئيسية لتوسيع نطاق المحتوي التعليمي وعدم قصره على مجموعة من الكتب يتم تحديث محتوها كل عدة عقود!

هكذا الأمر بالنسبة للدراسة الجامعية التي ينبغي أن يحدث بها نوعين رئيسيين من التغيير، الأول تغيير يرتبط بالتخصصات وضرورة التوسع في التخصصات الجديدة المتوافقة مع الابتكار والتطور العالمي وبيئة الأعمال الجديدة وتحديداً تخصصات التكنولوجيا ونظم المعلومات والذكاء الاصطناعي والبرمجة وإدارة الأعمال والمشروعات وغيرها.

أما التغيير الثاني فلابد أن يرتبط بأسلوب التدريس نفسه الذي يتم به تدريس المقررات، وضرورة التوسع في الجانب العملي والتطبيقي على حساب الجانب النظري الذي لا يخدم الحياة العملية إلا قليلاً بينما يقتصر دوره علي دراسة النظريات والأسس والمبادئ التي يتم التطبيق العملي وفقاً لها.

ولاشك أن الطفرة التي شهدتها مصر في ملف التعليم على مدار السنوات الماضية ستتأثر تأثراً كبيراً بالمشروعات التعليمية الكبرى التي تنفذها الدولة خلال المرحلة الحالية ولاسيما مدينة المعرفة التي يتم بنائها بداخل العاصمة الإدارية الجديدة والتي من المتوقع أن تكون مصدر رئيسي للمبتكرين ورواد الأعمال ومتقني التكنولوجيا وصناع المشروعات الناشئة والمتطورة.

ولابد أن تواصل الدولة سعيها في بناء مثل هذه المدن التي تغير من ثقافة ونظرة الناس تجاه المنظومة التعليمية بشكل عام.

ومن المتعارف عليه في بيئة المشروعات الرائدة أنه من بين كل 100 مشروع قد ينجح مشروع واحد، وبالتالي الدولة التي تنفذ 1000 فكرة ناشئة لديها القدرة علي الخروج بـ 10 مشروعات ناجحة كبرى مؤهلة للوصول إلى العالمية، والدولة التي تنفذ 100 ألف مشروع لديها القدرة على الخروج بـ 1000 مشروع ناجح، بينما التي تنفذ مليون مشروع لديها القدرة علي الخروج بـ 10 آلاف مشروع ناجح.

وبالتالي كلما اتسع نطاق التجارب كلما ارتفعت فرص النجاح وتحقيق عوائد اقتصادية أكبر من المشروعات الناشئة، وهنا يأتي دور التمويل، الذي يعد ثاني أهم عوامل ريادة الأعمال بعد الفكرة.

باعتبار أن التمويل هو كلمة السر في نجاح الفكرة فما قيمة الفكرة الجيدة ما لم يجد صاحبها التمويل اللازم للتجربة والتنفيذ واستكمال الدراسات العملية؟!

وهنا ينبغي أن توسع الدولة من نطاق اهتمامها بتمويل الأفكار الريادية والمشروعات الناشئة، وهناك العديد من البدائل التي يمكن الارتكاز عليها لتحقيق هذا الهدف.

من ضمنها تمويلات رجال الأعمال علي نحو يدعم الاقتصاد القومي ويدعم قدرتهم علي تحقيق أرباح قياسية في المستقبل من خلال ضخ مبالغ محدودة في مشروعات ناشئة متعددة، ففي حالة نجاح مشروع واحد أو أكثر حتماً سيحقق رجل الأعمال ارباحاً ضخمة للغاية.

أضف إلى ذلك دور حاضنات الأعمال التي تمول مشروعات المخاطر المختلفة وتساعدها في تحقيق النجاح، إلى جانب مبادرات الدولة التي تطلقها لتمويل مثل هذه المشروعات والأفكار الريادية بشروط توافر الجدية لدى صاحب الفكرة ونمتلك في مصر بعض التجارب الناجحة في هذا المجال.

يأتي ذلك إلى جانب المبادرات البنكية المختلفة التي تطلقها البنوك الوطنية والرائدة في تمويل الأفكار الريادية في مصر والتي حققت بعض البنوك من ورائها مكاسب كبيرة سواء بدخولها كمساهم في بعض المشروعات، أو دعمها لمشروعات تساند خطة الدولة في تعزيز بيئة ريادة الأعمال، وقد حقق البنك المركزي بمبادرة رواد النيل نجاحاً كبيراً في هذا الملف.

وفي البداية والنهاية يجب أن نوقن أن الشركات الناشئة تمثل الفرصة الأكبر للاقتصاد المصري في تحقيق التجربة التنموية المنشودة، وبالتالي يجب أن ننتبه ونخطط ونعمل من أجل هذا الهدف.

 

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض