بلومبرج: الازدهار العالمي لأسعار العقارات يشكل أزمة من جديد للبنوك المركزية

بدأت أسعار العقارات المرتفعة في معظم أنحاء العالم في الظهور كاختبار جوهرى ورئيسى لقدرة البنوك المركزية على كبح دعمها خلال الأزمات، حيث يؤدي سحب التحفيز ببطء شديد إلى المخاطرة بتضخيم العقارات وتفاقم مخاوف الاستقرار المالي على المدى الطويل، وفقا لوكالة بلومبرج.

وأوضحت بلومبرج أن التراجع الشديد فى الدعم النقدى من قبل البنوك المركزية حول العالم يعني زعزعة الأسواق ودفع أسعار العقارات إلى الانخفاض ، مما يهدد الانتعاش الاقتصادي من جائحة كورونا.

مع ذكريات الأزمة المالية العالمية التي أثارها انهيار  قطاع الإسكان، والتى لا تزال حية في أذهان صانعي السياسة ، فإن كيفية السيطرة على أسعار العقارات المرتفعة هي معضلة تأتى في طليعة المداولات، حيث تشهد مرحلة  تعافي النمو الإقتصادى مناقشات عديدة من جانب بعض البنوك المركزية، بداية من الحد من برنامج شراء الأصول حتى رفع أسعار الفائدة.

شار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي الذين يفضلون تقليص برنامج شراء السندات إلى ارتفاع أسعار المنازل كأحد أسباب القيام بذلك، وعلى وجه الخصوص ، فإنهم يبحثون بجدية مشتريات بنك الاحتياطي الفيدرالي للأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري ، والتي يخشى البعض من أنها تزيد الطلب على الإسكان ذات طلب مرتفع بالفعل.

في الأسبوع المقبل ، يلتقي محافظو البنوك المركزية في نيوزيلندا وكوريا الجنوبية وكندا لوضع السياسة ، ويحفز ارتفاع أسعار المساكن في كل مرة الضغط لفعل شيء ما لإبقاء الأسعار في متناول يد العمالة المنتظمة.

و وفقًا لتصنيف بلومبيرج إيكونوميكس العالمي للفقاعات، يتصارع صانعو السياسة في نيوزيلندا مع سوق العقارات الأكثر طلبا في العالم ،  حيث حصل البنك المركزي ، الذي يجتمع يوم الأربعاء ، على أداة أخرى لمعالجة المشكلة ، وتوضح توقعاته لسعر النقد الرسمي أنه بدأ في الارتفاع في النصف الثاني من عام 2022.

وفي مواجهة انتقادات لدوره في تأجيج أسعار المنازل ، كان البنك المركزي الكندي من بين أوائل البنوك من الاقتصادات المتقدمة التي تحولت إلى سياسة أقل توسعية ، مع جولة أخرى من التناقص التدريجي المتوقع لبرامج التحفيز عبر قرار منتظر بشأن السياسة النقدية يوم الأربعاء المقبل أيضًا.

حذر بنك كوريا الشهر الماضي من أن أسعار العقارات «مبالغ فيها بشكل كبير»، وأن عبء سداد ديون الأسر يتزايد، لكن تفشي الفيروس المتفاقم قد يكون مصدر قلق أكثر إلحاحًا في اجتماع السياسة يوم الخميس في سيول.

وفي أكبر عملية إعادة تفكير إستراتيجية منذ إنشاء عملة اليورو؛ رفع البنك المركزي الأوروبي هذا الشهر هدف التضخم الخاص به، وفي إشارة إلى ضغوط قطاع الإسكان، سيبدأ المسؤولون في النظر في تكاليف منازل المالكين ضمن مقاييسهم التكميلية للتضخم.

وأشار بنك إنجلترا المركزي الشهر الماضي إلى عدم ارتياحه بشأن سوق الإسكان في المملكة المتحدة، كما أن البنك المركزي النرويجي، أشار إلى قلقه بشأن تأثير أسعار الفائدة المنخفضة للغاية على سوق الإسكان، وخطر تراكم الاختلالات المالية.

استخدم بنك التسويات الدولية تقريره السنوي الذي صدر الشهر الماضي للتحذير من أن أسعار المنازل قد ارتفعت بشكل حادٍّ خلال الجائحة أكثر مما تشير المعطيات الأساسية، مما يزيد من ضعف القطاع إذا ارتفعت تكاليف الاقتراض.

وبرغم التوقُّعات بأنَّ معظم البنوك المركزية تتجه لتصفية دعم عصر الجائحة تدريجياً، إلا أنَّ كيفية تنفيذ ذلك دون الإضرار بحاملي أصول الرهن العقاري ستكون تحدياً رئيسياً، وفقاً لكازو موما، الذي كان مسؤولاً عن السياسة النقدية في بنك اليابان المركزي.

وقال موما الذي يعمل كخبير اقتصادي في معهد ميزوهو للأبحاث: «إن السياسة النقدية أداة حادة، وإذا جرى استخدامها لبعض الأغراض المحددة، مثل تقييد أنشطة سوق الإسكان، فقد يؤدي ذلك إلى مشكلات أخرى، مثل تدمير الانتعاش الاقتصادي».

لكن في المقابل؛ فإنَّ عدم التصرف يتضمن العديد من المخاطر الأخرى، حيث يُظهر التحليل الذي أجرته بلومبرغ إيكونوميكس أن أسواق الإسكان تُظهر بالفعل تحذيرات على غرار الفقاعات في عام 2008، مما أثار التحذيرات من الاختلالات المالية وتعميق عدم المساواة.

وقالت بلومبرج أن  نيوزيلندا، وكندا، والسويد  تصنف على أنها أكثر أسواق الإسكان في العالم ذات فقاعات صغيرة في العالم، استناداً إلى المؤشرات الرئيسية المستخدمة في لوحة معلومات بلومبرج إيكونوميكس، التي تركز على الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة بالقرب من القمة في تصنيفات المخاطر.

وأضافت الوكالة أنه قد يبحث رؤساء البنوك المركزية عن بدائل لرفع أسعار الفائدة، مثل التغييرات في حدود مبلغ القرض بالنسبة للقيمة، أو ترجيح مخاطر الرهانات العقارية، وما يسمى بالسياسة التحوطية الكلية، وذلك نظراً لأن العديد من الاقتصادات العالمية ما زالت تصارع فيروس كورونا أو يُبطئ نمو القروض، ف

ومع ذلك؛ فإن مثل هذه الإجراءات ليست مضمونة النجاح، لأن الديناميكيات الأخرى مثل عدم كفاية العرض، أو السياسات الضريبية الحكومية، تعد بمثابة متغيرات مهمة لقطاع الإسكان أيضاً، وفي حين تتدفَّق الأموال الرخيصة دائماً من البنوك المركزية، فمن المرجح أن تكافح مثل هذه الإجراءات لكبح الأسعار.

أشار جونتر شنابل من جامعة لايبزيج، والخبير في الأنظمة النقدية الدولية؛ إلى أن أفضل نهج هو إيقاف التوسع الإضافي في الميزانيات العمومية للبنك المركزي، وكخطوة ثانية، يمكن زيادة أسعار الفائدة على نحو بطيء جداً، ونمط ثابت على مدى فترة زمنية طويلة “.

وهناك احتمال آخر يتمثل في أن أسعار المنازل وصلت إلى مستوياتها الطبيعية، فعلى سبيل المثال، انخفضت أسعار المنازل في المملكة المتحدة لأوَّل مرة منذ خمسة أشهر في شهر يونيو الماضي، في إشارة إلى أن سوق العقارات ربما يكون قد فقد الزخم، إذ كان من المقرر أن ينتهي الحافز الضريبي.

ومع ذلك، لا توجد علامة على ذلك في الولايات المتحدة؛ إذ ما يزال الطلب على المنازل قوياً، على الرغم من ارتفاع الأسعار القياسي، وزادت مبيعات المنازل «المعلقة» في جميع مناطق الولايات المتحدة في شهر مايو الماضي، مع تحقيق الشمال الشرقي والغرب أكبر المكاسب.

وقال جيمس بوميروي ، الخبير الاقتصادي العالمي في HSBC Holdings Plc: أنه فى حين أن التعامل مع ازدهار الإسكان لن يكون سهلاً بالنسبة للبنوك المركزية؛ فإن الأوان لم يفُت بعد لتفادي الأزمة التالية. ويظل طلب الشراء بهدف السكن في المنزل مقابل الشراء بهدف المضاربة محركاً قوياً للنمو، ولا تظهر البنوك إشارات من هذا القبيل على صعيد الإقراض الميسر الذي سبق الأزمة المالية العالمية.

وأضاف بوميروي: أنه «إذا كانت أسعار المساكن ترتفع بسبب التغيُّر في ميزان العرض مقابل الطلب، الذي أحدثته الجائحة نتيجة المزيد من العمل عن بعد، والأشخاص الذين يريدون مساحة أكبر، فقد لا يؤدي ذلك إلى حدوث أزمة بالطريقة نفسها التي حدثت بها طفرات الإسكان السابقة»، مشيرا إلى أنه قد تنشأ المشكلات بطريقة أكبر مع خروج الشباب من سلم الملكية بسبب الأسعار المرتفعة.

ترى  أليسيا جارسيا هيريرو، كبيرة خبراء الاقتصاد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة ناتيكسيس ، التى اعتادت العمل مع البنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، أن السلطات النقدية في الاقتصادات ذات الأُسر المثقلة بالديون، ستحتاج إلى توخي الحذر بطريقة خاصة، في الوقت الذي يبتعدون فيه عن أوضاع الأزمات.

وأشارت أليسا إلى أن أسعار العقارات، كما هو الحال مع أسعار الأصول الأخرى، ستستمر في الارتفاع ، فى حال ظلت السيولة العالمية وفيرة للغاية، لكن التداعيات أشد بكثير من أسعار الأصول الأخرى، لأنَّها تؤثِّر على الأسر على نطاق أوسع للغاية

 

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض