المفهوم الجديد للتسوق: المنتجات تجد مشتريها

بقلم: آنا جيرمانوس، رئيس السلع الاستهلاكية، وقطاع التجزئة والتجارة الإلكترونية لدى فيسبوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

كان التسوق عبر الإنترنت في الماضي، يشبه إلى حد ما التسوق التقليدي. تبحث عن حاجتك، تجدها، ثم تشتريها. ربما كان يؤدي الغرض منه، لكنها ليست بالضرورة تجربة ملهمًا.
ولكن ذلك قد تغير تمامًا مع تبني تقنيات تعلم الآلة وتأثيرات جائحة كورونا على التجارة الإلكترونية. وذلك بالأسلوب نفسه الذي تصلنا به التغذية الخبرية على حساباتنا على فيسبوك منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، والتي تتم عبر التنسيق المخصص للمحتوى بحسب اهتمامات المستخدم والتي يتم تحديدها من خلال سيل من التحديثات التي لا حصر لها، حيث تقوم أداة ” التجارة الذكية Discovery Commerce بشخصنة تجربة التسوق على مستوى جميع منصاتنا.
تلعب أداة ” التجارة الذكية ” دورها في إلهام المستخدمين بخصوص المنتجات والعلامات التجارية التي تتماشى مع أذواقهم، والتي ربما لم يصادفوها بأي طريقة أخرى. فبدلاً من عثور الأشخاص على المنتجات، تقوم أداة ” التجارة الذكية ” بتمكين المنتجات والعلامات التجارية من العثور على المشترين المحتملين، وبالتالي توسيع نطاق العملاء الذين لم يسبق لتلك المنتجات الوصول إليهم من قبل، وبالتالي تحويل عملية التسويق والترويج إلى فرصة لتحقيق الأرباح. وعلى غرار التغذية الخبرية على فيسبوك، تعد أداة ” التجارة الذكية ” نظامًا مرنًا يتحسن باستمرار بمرور الوقت حيث تتعرف منصاتنا على المستخدمين وتفضيلاتهم بشكل أفضل.
وقد كان لهذه الأداة أن غيرت وإلى الأبد مفهوم التسوق والشراء التقليدي، حيث يمكن اليوم للعملاء اكتشاف المنتجات وشرائها في غضون ثوانٍ، مما يعني أن المشترين المحتملين الجدد الذين تسعى الشركات للتواصل معهم قد سبقوا الشركات ووصلوا فعليًا لمرحلة إتمام عملية الشراء، خصوصًا إذا ما توفرت للعميل تجربة شراء سهلة.
ومن واقع تجربتي الشخصية، أنقل لكم هذه الأمثلة. فبعد أن انتهيت من حصة اللياقة البدنية الصباحية، بدأت اتصفح حسابي الشخصي على فيسبوك، وأثناء ذلك، ظهرت أمامي صورة شهية لإحدى الوجبات الصحية التي لا أفضلها فقط بل أعشقها، وكانت الصورة لمطعم لم أسمع عنه من قبل. وعلى الفور بدأت اختيار مكونات الوجبة بحسب ذوقي ومن ثم طلبتها، وفي خلال 30 دقيقة كانت وجبتي الصحية المفضلة تطرق بابي. والحقيقة أنني لا أعرف هذا المطعم، ولم تكن تتوفر لي الكيفية للبحث عنهم، بل هم من وجدوني وأسعدوني. ومن ثم كانت لي قصة أخرى مع أحد المتاجر الصغيرة المتخصصة في بيع ملابس البحر والذين تعرفت عليهم أيضًا خلال تصفحي، ومن هنا بدأت العلاقة واعتمدت عليهم لتجديد خيارات ملابسي الخاصة بالمصيف.
وقد ذكّرتني هذه التجربة بزياراتي لمتجر الأزياء المحلي الصغير الموجود بالقرب مني، والذي تمتلك صاحبته مهارة رائعة، فهي تعرف طلبات عملائها جيدًا وتراعى الأصناف التي تبيعها بشكل جيد، فمتجرها يشبه متجر للحلوى بكل ما فيه من ألوان وأشكال. ولربما أعتزم الذهاب لها لشراء قميص أو تنورة، لكنني أخرج دائمًا بشيء مختلف تمامًا.
يحدث هذا النوع من تجارب التسوق التي تأتي مصادفة بشكل أكبر على الإنترنت بعد مرور عام من الإغلاقات والتي تم خلالها تعليق التسوق الفعلي. وقد أخبرنا 82% من الأشخاص أنهم يعثرون اليوم على منتجات جديدة على منصات فيسبوك لم يكونوا على دراية بها.
وبالإضافة إلى الأعمال التجارية الصغيرة مثل ذلك المطعم الذي اشتريت منه وجبتي الصحية أو متجر بيع ملابس البحر، فقد حرصت الشركات العالمية أيضًا على تعزيز حضورها على الإنترنت خلال فترة انتشار الجائحة، من أجل التواصل مع العملاء الرقميين الجدد. فعلى سبيل المثال، وخلال شهر رمضان، دخلت شركة “ماجي” في شراكة مع فيسبوك، لتذكير العملاء أنه على الرغم من تحديات فيروس كورونا التي ربما غيرت حياتنا، إلا أن قيم وعادات وتقاليد رمضان تظل كما هي ومن بينها مشاركة الوجبات.
وقد عملت شركة “ماجي” مع عدد من المؤثرين للاستفادة من الزخم الجماهيري المتزايد على الإنترنت وإلهامهم بأطباق ومأكولات جديدة على أساس أسبوعي. واستخدمت “ماجي” قنوات مبتكرة تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة مثل مقاطع فيديو IGTV؛ وغرف البث المباشر وميزة “قصص انستجرام” وكذلك المنشورات الاستهدافية على فيسبوك وانستجرام حتى تتمكن من الترويج لرسائلها. واستخدمت “ماجي” أيضًا حملات الترويج الإبداعية التي تم إنشاؤها حول ميزة “تسوق الآن” Shop Now على فيسبوك لإعادة استهداف أولئك الذين تفاعلوا مع الحملة. وحققت الحملة نجاحًا رائعًا وصل بقيمة 6 أضعاف، خصوصًا مع جيل الألفية والجيل الذي تلاه، وذلك فيما يتعلق بمقاييس انتشار العلامة التجارية ومستوى الرغبة في الشراء.
وحتى أصناف البضائع باهظة الثمن مثل السيارات قد وجدت فرصًا جديدة للمبيعات الرقمية، حيث يقول أكثر من 50% من الأشخاص، إنهم سيشترون سياراتهم التالية عبر الإنترنت، وهو أمر لم يكن يتوقعه سوى القليل قبل عام.
وذلك، يعد تحولًا سلوكيًا لا يقتصر على التسوق فقط، فقد ساد هذا التوجه أيضًا قطاعات أخرى شهدت صعودًا صاروخيًا للمحتوى الرقمي وترحيبًا واسع النطاق من طرف العملاء بهذه التجربة التي منحتهم فرصة الاستكشاف الذي يوافق تفضيلاتهم.
وتعد “نتفلكس” مثالاً صريحًا على ذلك، حيث تقوم ميزة “التوصيات” في هذه المنصة بتخصيص 15000 عنوان وفقًا لما تعلمته المنصة حول أذواق المشاهدة لدى المستخدمين. إن 80% من المحتوى المرشح للمستخدمين يتم الآن من خلال ميزة التوصيات على هذه القناة. وقد عرفتني هذه الميزة مؤخرًا بواحد من المسلسلات الكوميدية التي أحببتها كثيرًا. وذات الشيء أيضًا مع منصة “سبوتيفاي” والتي يتنبأ محركها Discovery Weekly بالمقاطع الصوتية التي قد ترغب في سماعها بناءً على سجل تفضيلاتك، وقد استحوذ بالفعل على 2,3 مليار ساعة من الاستماع.
المستهلك الجديد القادم من زمن بعيد
قد تعتقد أن اكتشاف منتجات جديدة عبر الإنترنت هو سلوك نراه فقط بين جيل الألفية الرقميين، لكن الجائحة قد غيّرت عادات التسوق لدى الجميع وبشكل جذري، وأغلقت الفجوة الرقمية بين الأجيال الصاعدة والأجيال الأقدم. واليوم يتسوق نحو 85% من مستخدمي الإنترنت حول العالم من خلال الإنترنت، ومن بينهم أكثر من 80% من جيل ما قبل الألفية والأجيال الأقدم منهم. ويعد الهاتف المتحرك اليوم هو الشاشة الرئيسية ليس فقط للمراهقين وجيل الألفية، ولكن لجميع البالغين، وتعد الفئة الأسرع نموًا في التسوق عبر الهاتف المتحرك هم الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 40 عامًا.
وفي الواقع، قال 44% من جيل ما قبل الألفية و30% من الجيل الأقدم أنهم يقضون وقتًا أطول في التسوق عبر الإنترنت بسبب إجراءات الإغلاق. ويعد استهداف هذه المجموعات الناشئة أمرًا سهلاً على منصات فيسبوك، فهي تمثل فرصة غير مستغلة إلى حد كبير عبر الإنترنت للمسوقين الذين جاؤوا ليبقوا.
وقد وجد استطلاع حديث أجرته شركة “بي دبليو سي” أن 53% من المستهلكين في منطقة الشرق الأوسط يتسوقون بشكل متزايد عبر الإنترنت وأن 71% منهم يحافظون على تواصلهم خلال الجائحة عبر الإنترنت.
التسويق خارج الحدود الجغرافية
لقد حفزت الجائحة أيضًا العلامات التجارية، سواء تلك التي تحولت من نماذج المتاجر التقليدية، أو تلك التي نشأت على الإنترنت، إلى النظر إلى ما هو أبعد من جمهورها المحلي.
وقد حققت “سكوات وولف”، وهي علامة تجارية لبيع الملابس الرياضية ومقرها دولة الإمارات، نجاحًا دوليًا وانجزت معدلات تحول أعلى بمقدار 2,5 مرة من خلال اكتساب عملاء محليين وعالميين عبر حلول الأعمال العابرة للحدود من فيسبوك. ومنذ إطلاقها، نجحت هذه العلامة التجارية الفاخرة التي نشأت في دولة الإمارات في توسيع نطاق مبيعاتها في 120 دولة حول العالم واستخدمت استراتيجية إعلانية قوية لزيادة الربحية. ولم تنجح الشركة في مضاعفة معدل التحول لديها إلى ثلاث أضعاف وحسب، بل نجحت أيضًا في اجتذاب جماهير جديدة وزادت متوسط حجم مبيعاتها.
وهناك علامات تجارية أخرى برهنت على قيمة التخصيص على نطاق واسع وهي “نيوتروجينا”، إحدى العلامات التجارية الشهيرة للعناية بالبشرة من شركة جونسون أند جونسون. وقد أنشأت أكثر من 300 صنف قابل للشراء والتي تم نشرها باستخدام استهداف واسع النطاق عبر حملة ترويجية خلال عام 2020 استهدفت سوق للمملكة العربية السعودية، واعتمدت على تقنية تعلم الآلة لتقديم التصميمات الدعائية المناسبة إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب. وحققت الحملة زيادة مذهلة بنسبة 95,5% في مبيعات منتج “نيوتروجينا” في المملكة بزيادة وصلت نسبتها إلى 75%.
الإبداع التجريبي
إن الإبداع الدعائي للمادة المحفزة على خوض التجربة يساعد على سد الفجوة بين التسوق المادي والرقمي ويعد عنصرًا مهمًا آخر في ميزة “التجارة الذكية”. إن تجربة التجارة الإلكترونية التي تقدمها العلامات التجارية التي تستهدف اجتذاب جمهور جديد بأسلوب أكثر فاعلية غالبًا ما تقدم تجربة غامرة وتفاعلية. وقد استخدمت العلامة التجارية العالمية “ليفيل شوز” هذا المفهوم لتخصيص تصاميم أحذية للنساء والرجال والأطفال عبر تقنية الواقع المعزز في إعلاناتها بدولة الإمارات خلال شهر رمضان من عام 2021. وقد مكنتهم هذه التقنية المتوفرة على فيسبوك من رفع الوعي تجاه محتواهم القابل للتفاعل والذي حقق هدفهم في التعريف بعلامتهم التجارية على نطاق واسع وملحوظ.
كما تعد مجموعة “لوكسوتيكا”، أكبر شركة نظارات في العالم مثالًا ملهمًا آخر. ففي إطار تحولها نحو محور التجارة الإلكترونية العام الماضي، أطلقت الشركة حملة جمعت بين دقة الاستهداف الواسع الذي يعتمد على الاهتمامات مع القدرة على الإبداع. وذلك من خلال الشراكة مع Smartly.io، حيث أنشأت العلامة التجارية مجموعة من إعلانات الفيديو والإعلانات الثابتة المبتكرة التي تستخدم الواقع المعزز للسماح للمستخدمين بتجربة نظارات “راي بانز”، والذي وفر للعملاء ميزة إضافية على الإنترنت تشبه التسوق الفعلي. وقد ساعدت هذه الاستراتيجية العلامة التجارية على تحقيق عوائد بلغت 5,6 أضعاف قيمة إنفاقها الإعلاني، بالإضافة إلى تحقيق نسبة نمو على أساس سنوي بلغت أكثر من 600% عبر قنوات التجارة الإلكترونية.
شاهد وتعلم
تعد القدرة على التطور، من إحدى الفوائد العديدة لهذا الشكل الجديد وغير المسبوق من التجارة الإلكترونية. ويتوجب على المسوقين الاستفادة من أدواتهم الرقمية للتعلم وإطلاق حملات دعائية وترويجية فعالة من خلال أداة ” التجارة الذكية ” الخاصة بهم بنفس طريقة الذكاء الاصطناعي التي تتمكن من مواصلة تعليم نفسها فيما يخص مستخدميها وبالتالي تحسين دقة الاستهداف. وعلى المسوقين كذلك تحسين مهاراتهم في الجمع بين هذا النهج وقدرتهم على إبداع إعلانات تفاعلية تحقق لهم الغرض المرجو من الاستهداف واسع النطاق والابتكار بما يوفر لعملائهم تجربة تسوق سلسلة وملهمة بنتائج فورية، وإذا ما نجحوا في ذلك، حينها سيدركون أنه لم يكن هناك وقت أفضل للقيام بذلك من الآن للوصول إلى عملاء جدد.

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض