«chips».. صراع الهيمنة بين واشنطن وبكين يدخل حيز الحرب المالية

الولايات المتحدة تتسلح بالدولار.. والصين تحشد الخصوم والحلفاء للخروج من سيطرة المالية الأمريكية

تزايدت التساؤلات خلال الآونة الأخيرة حول مصير الصراع بين واشنطن وبكين، حيث توقعت بعض التقارير وكتب كبار السياسيين حول العالم أن الصين وأمريكا على أعتاب الدخول في حرب باردة، حيث ترى الطبقات الحاكمة في الولايات المتحدة أن تنافسها مع الصين هو إعادة للحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، ولكن تشير الحقائق التي رصدها كيشور مهبوباني عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية في كتابه “هل فازت الصين؟”، أن نتيجة هذا الصراع قد لا تنتهي بما انتهت عليه الحرب الباردة مع السوفيت، وذلك نتيجة تغير السياسات الأمريكية في التعامل مع الأزمة، فيبدوا أن الصين تُدير الأمور بمرونة على عكس الإدارة الأمريكية الحادة في قرارتها.

بداية الصراع بين الصين وأمريكيا

وقال جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق أن العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية الأمريكية مع الصين سوف تحدد شكل الشؤون الدولية في القرن الحادي والعشرين، فمنع ازدهار الاقتصاد الصيني المتزايد من خلال سياسات موجهة نحو السوق وترابط أقوى مع الأسواق العالمية، وقبول أوسع للمعايير الاقتصادية الدولية، اشتعل صراع الهيمنة على السوق العالمية بين العملاقين، وذلك بعد 40 عاماً من التكامل الاقتصادي المتعمق بين الولايات المتحدة والصين.

وأسفر هذا الصراع عن أعمال عدائية اقتصادية، فمع مطلع 2018 قامت الولايات المتحدة باشعال الحرب التجارية بفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية، ردت عليها بكين بالمثل، ونتج عن هذه القرارات المحدودة تصدع عالمي في التجارة الدولية وتباطوء في معدلاتها، ثم انتقلت الصراعات إلى حيز الشركات بقرارات قد تكلف شركات التكنولوجيا العالمية 3.5 تريليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، حيث قام الرئيس الأمريكي بفرض عقوبات على عدد من الشركات الصينية وخاصة في مجال التكنولوجيا مثل هواوي التي اتهمت بالتجسس، ووي تشات، وبايت دانس مالكة تطبيق تيك توك، مبررة ذلك بأن الصين فرضت حظر سابقاً على جوجل وفيس بوك الأمريكيتين، مما يسبب قلق للكيانات التي تعمل في كلا الاقتصادين.

ويبدوا أن هذه الصراعات التي لم يتوصل الخبراء فيها من صاحب الرصاصة الأولى، ستأخذ منعطفاً جديداً ذو تأثير مغايير على الاقتصاد العالمي، فلن يقتصر التأثير هذه المرة على تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي أو جمود في حركة التجارة الدولية، بل من المتوقع أن تخترق صلب النظام المالي العالمي.

استراتيجيات واشنطن للسيطرة على النظام المالي

يوضح تقرير نشرته مجلة «ذي اكونمست» أن إدارة الرئيس الأمريكي الحالي تبذل قصارى جهدها لعزل الصين عن نظام المدفوعات العالمي، مستغلة في ذلك هيمنة الدولار على المدفوعات العالمية والاحتياطيات الدولية ومعظم المعاملات التجارية، وذلك من خلال ثلاث طرق تستخدمهم الولايات المتحدة لتقييد البلدان المجابهه لها مالياً، تم اختبارهم بالفعل على إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وميانمار لفترات قصيرة.

وتتمثل أهم هذه الاستراتيجيات في الـ«chips» أو ما يعرف بغرفة المقاصة المتواجدة في نيويورك التي تسيطر على نظم الدفع بين المصارف حول العالم، ويتم من خلالها توجيه 95% من جميع المعاملات بالدولار، حيث يتولى معالجة مدفوعات بقيمة 1.5 تريليون دولار يوميًا، ويمكن للولايات المتحدة بتقييد التعاملات الخاصة بالبنوك الصينية ومنع اتصالها بالبنوك العالمية.

كما يمكن لواشنطن الضغط على جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك «swift» والتي تتخذ من بلجيكا مقراً لها، لطرد أعضائها من الصين، وتجميد معاملات بنوكهم مع 11 ألف بنك يعملون تحت لواء المؤسسة، ويتراسل أعضاؤه حوالي 30 مليون مرة في اليوم، أو تفرض أمريكا حظراً مالياً بشكل مباشر على الصين ومنع استخدام نظامه المالي للدولار.

وامتد هذا الاتجاه لتهديدات الإدارة الأمريكية بتقييد دخول الشركات الصينية العملاقة لسوق المال الأمريكي، وفرض عقوبات على المتعاملين على أسهم هذه الشركات.

وتستند قوة الإدارة الأمريكية في هذه القرارات على هيمنة الدولار وكانته الفريدة عالمياً، حيث يستخدم الدولار عالميًا كوحدة حسابية ومخزن للقيمة ووسيلة للتبادل، فإن حوالي نصف فواتير التجارة العابرة الحدود مقومة بالدولار، وذلك يساوي خمسة أضعاف حصة الولايات المتحدة من واردات العالم من السلع وثلاثة أضعاف نصيبها من صادراته، كما أن الدولار هو العملة المفضلة للبنوك المركزية وأسواق رأس المال ويساوي ثلثي إصدارات الأوراق المالية واحتياطيات النقد الأجنبي، لذلك صار الإيقاع المالي للعالم أمريكياً، فحين تتحرك أسعار الفائدة أو تتغير شهية ركوب المخاطر في وول سترتيت تتجاوب معها أسواق العالم، فمعظم المعاملات الدولية تتم تسويتها بالدولار عبر نيويورك وبوساطة البنوك الأمريكية المراسلة، مما يجعل أمريكا في موضع فريد يمكنها من توظيف الحرب المالية في خدمة السياسة الخارجية.

وهو ما تؤكده البروفسورة باولا سوباشي أستاذة الاقتصاد الدولي في جامعة “كوين ماري” بلندن، والتي تقول “إن قوة الولايات المتحدة تكمن في النظام المالي العالمي الذي يقوده الدولار والمصارف الأميركية، وليس في التجارة نفسها”.

وإذا ما قامت واشنطن باللجوء لهذه الخطوات، فسيعتبر ذلك بمثابة إعلان حرب مالية عالمية ضخمة، يمتلك فيها كل طرف حلفاءه وأدواته الخاصة، خاصة وأنه من الناحية القانونية، فإن ترامب يمكنه تفعيل “الحرب المالية” على الصين من دون حاجة إلى موافقة الكونجرس، عبر تفعيل المرسوم الرئاسي الذي يمنحه الحق في فرض الحظر المالي لحماية الأمن القومي الأميركي الصادر في عام 1977.

أدوات بكين لمجابهة السيطرة الأمريكية

فمنذ إندلاع الأزمة المالية 2008، بدأت الصين ضرباتها غير المباشرة في الترويج لضرورة التخلص من هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، وإدخال اليوان ضمن سلة العملات ومناطحة الدولار على الصدراة، مستغلة رغبة الخصوم والحلفاء للخروج من الهيمنة المالية للولايات المتحدة، واستخدام الإدارة الأمريكية للدولار كسلاح سياسي واقتصادي.

وتعول الصين على هيكلها المحلي الخاص بها للمدفوعات والتسويات المالية «سيبس» الذي يبسط المدفوعات العابرة باليوان الصيني، في خطوة للخروج من هيمنة النظام المالي الأمريكي، كما تشير التقارير إلى أن الصين والهند وبلدان أخرى ربما تدرس فكرة الاشتراك في شبكة بديلة لنظام سويفت، وتستغل نظام تمويل المستهلكين حول العالم الذي يخضع لنفوذ الصين بفضل شركات منصاتها الرقمية التي كانت أسرع «عولمة» من بنوكها التقليدية، مثل منصة علي بابا وفرعها آنت فاينانشال المقبولة من التجار في 56 بلدًا، واستحدثت أيضاً الصين في عام 2018 عقدًا آجلًا للنفط الخام مُقوَّم باليوان في بورصة شنغهاي، لينافس الدولار في تسعير النفط.

وتتحدث أيضاً الصين على إصدار عملة رقمية من خلال البنك المركزي الصيني، تتمكن من خلالها من تحقيق ميزة على أمريكا في بناء النظام العالمي الذي يتشكل لإدارة المدفوعات بالعملات الرقمية؛ ولكن يأتي السؤال هنا، ماذا سيحل بالاقتصاد العالمي إذا تعمق الصراع الأمريكي الصيني وتحول للساحة المالية العالمية؟

في هذا الصدد، اتهمت الصحيفة الرسمية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، الولايات المتحدة  بأنها تدمر النظام العالمي عن عمد، وذلك بعد يوم من تصنيف واشنطن بكين متلاعبا بالعملة لاكتساب مميزات تجارية سعرية.

وتقول كلير هوانج مديرة الأصول بشركة «أموندي» الفرنسية لإدارة الأصول، أنه على مستوى العملات فستعاني العملة الصينية إلى جانب العملات التي تتعقبها مثل الدولار التايواني أو الوون الكوري الجنوبي، كما ستخفض هونج كونج احتياطياتها من الدولار في محاولة لدعم ربط عملتها بالدولار، مما سيصب في صالح الذهب.

وبمنظور أوسع، فمن المتوقع أن تؤدي الحروب المالية بين قطبي الاقتصاد العالمي، إلى زعزعة استقرار النظام المالي العالمي، وتخبط حركة المدفوعات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة بشكل أكبر، في ظل محاولة معظم دول العالم للإجهاز على هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي، والذي تسبب في خسائر ضخمة للعديد من الدول والشركات التي طالتها العقوبات الأمريكية، فضلاً عن قيام الدول الأوروبية بالقضاء على التهديدات التي قد يتعرضون لها من هيمنة السياسات الأمريكية على أنظمتهم المالية.

مستقبل العملات الرقمية

ومن ناحية أخر، فمن المتوقع أن يبدأ العالم في استخدام جيل جديد من العملات الرقمية قبل الأوان، حيث مازالت الأنظمة المالية والأمن السيبراني غير مؤهلين بشكل كافي للسيطرة على النظام المالي المشفر، مما سيهدد النظام المالي العالمي في ذلك الوقت من الهجمات السيبرانية، بدلاً من هيمنة الدولار.

وبشكل خاص ستحاول الصين الانتقام من العقوبات الأمريكية التي قد تشعل الحرب المالية، حيث يمكنها إغلاق أسواقها أمام البنوك والشركات الغربية، وتمنعها من مشاريع البنية التحتية وتحد من وصول أمريكا إلى الموارد الطبيعية والسلع الأساسية التي تسيطر عليها، كما أن لديها وسيلة ردع أخيرة تتمثل في بيع مخزونها البالغ 1.1 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، أي ما يعادل 4% من إجمالي المبالغ المستحقة.

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض