الرهانات الرابحة في المستقبل!

الاعلامية دينا عبد الفتاح

مثل إيطالي يقول : «الكفاءة يد الثروة اليمنى، والاقتصاد يدها اليسرى« .. الكفاءة ترتبط بالسلوك ، بينما الاقتصاد يرتبط بالظروف ، وبالتالي يمكن تعظيم الثروة إذا أحسنا التصرف أو صادفتنا الظروف الحسنة أو كلاهما معاً ، ويمكن كذلك أن تزداد الثروة في ظل ظروف غير جيدة وذلك من خلال ما يطلق عليه «الاستثمار في الأزمة»!

الآن ووفقاً للمعطيات الحالية فالظروف الاقتصادية غير جيدة وبالتالي ستؤثر على ثروات ودخول أفراد المجتمع ولكن سينجو من هذا التأثير السلبي من يستطيع إدارة الأزمة بشكل جيد ، وتحويل التحدى إلى فرصة وتطويع المتغيرات السلبية إلى مصلحته الشخصية.

هذا المبدأ ينطبق على الجميع ، فالرهان الآن على الكفاءة .. الكفاءة فقط .. سيخرج من هذه الأزمة رابحون حتى لو لم يكونوا أصحاب رؤوس أموال ضخمة ، وسيخرج منها خاسرون حتى ولو كانوا أصحاب مشروعات ناجحة وريادية في «مرحلة ما قبل الكورونا».

المتغيرات الجديدة التي تظهر على الساحة بين الحين والآخر تؤكد أن المستقبل سيختلف اختلافاً جذرياً عن الماضي .. لأن بكل بساطة الحسابات مختلفة .. فحسابات الماضي كانت ترتبط بوجود فكرة استثمارية ناجحة ومشروع ينتج سلعة تتسم بطلب منتظم ومتزايد وسوق مفتوح .. أما الحسابات في المستقبل سترتبط بمن هو قادر علي صناعة التغيير في أفكاره ومشروعاته السابقة وتطويعها مع الظروف المستجدة وجعلها أكثر مرونة في التعامل مع المتغيرات دون ضرر كبير مع ضمان صمودها لأطول فترة ممكنة ، وسترتبط كذلك بأصحاب الأفكار الجديدة التي تلائم زمن الكورونا الذي أصبح فيه المنزل هو المكان المفضل للجميع .. والانفاق على الرعاية الصحية صاحب الأولوية الأولى .. والسلع الأساسية هى فقط من تستحق الانفاق .. بينما السياحة والملابس الفاخرة والهدايا والمناسبات وغيرها أصبحت في نطاق الكماليات لفترة لا يعلم العالم إلى متى ستستمر .. شهور .. سنوات .. عقود!

لا شئ مضمون .. والرهان أصبح اليوم على حسن التقدير في ظل معطيات غير مكتملة .. وعلى مدى القدرة على قراءة المستقبل من أضيق الزوايا .. والمرور في طريق الاستثمار من أءمن الحارات وبأقل المخاطر الممكنة .

لذا من واقع قرائتي المستمرة للمشهد .. ووفقاً لمعطيات الشهر الحالي .. اليوم الحالي .. الساعة الحالية – ليس أكثر من ذلك – أود أن أوجه مجموعة من الرسائل لفئات المستثمرين المختلفة :

المطورون العقاريون .. لا شك أن الظروف الحالية أضعفت بشكل كبير الطلب علي العقار .. وأدت إلى إنهيار خطط الشركات بشكل كبير .. وللأسف سيستمر هذا الوضع لفترة ليست بالقصيرة .. نتيجة الحذر المتوقع للمستهلك أو العميل في المستقبل ، وتفضيله للنقود في صورتها السائلة باعتبارها الأكثر أماناً من وجهة نظره وسط متغيرات لا يعلم أحد عن مستجداتها شيئاً ، وأصبح أمام هذه الشركات أن تعدل من سياساتها الانتاجية والبيعية من خلال التنازل عن عرض العقار الفاخر الذي يرتبط بمرتفعي الدخل الذين يمتلكون من هذا النوع من العقارات أكثر من واحد في الغالب.

وبالتالي هم في الغالب لن يغامروا بقرارات شراء في الحاضر أو حتى في المستقبل القريب.. ومن ثم يجب على هذه الشركات النظر إلى الطبقات الأقل دخلاً من الطبقة المرتفعة والتي تستهدف شراء العقار بهدف الزواج على سبيل المثال .. لأن الطلب علي هذا النوع من العقار سيبقي صامداً بشكل نسبي .. نتيجة تواجد الحاجة الشديدة له.

فيما يخص العقار السياحي فالأوضاع الحالية التي خلفها انتشار الفيروس تمثل تأثير مزدوج ، الأول قد يكون سلبي نتيجة تخوف الأفراد من السياحة وبالتالي عدم لجوئهم إلى شراء العقار السياحي فضلاً عن تراجع ثقة العملاء في المستقبل كما أوضحت .. أما التأثير الثاني فهو تأثير قد يكون إيجابي ويتعلق برغبة مرتفعي الدخل في الابتعاد عن التجمعات التي تتسم بها الفنادق – حال تشغيلها – وتفضيلهم الوحدات الخاصة في السياحة الداخلية ، وبالتالي قد تلجأ هذه الفئة إلى تدشين طلب سريع على العقار السياحي خاصة الجاهزة للتسليم أو القابلة للتسليم قريباً.

المستثمرون السياحيون .. أثبتت الظروف الراهنة والأحداث الماضية أن الرهان على السياحة فقط دائماً رهان خاسر .. لحساسيتها الشديدة لكل المتغيرات الأمنية والسياسية والوبائية وغيرها .. وبالتالي الاستمرار في الرهان علي السياحة فقط في المستقبل قد يؤكدي إلى انتكاسات جديدة .. وهنا يجب إعادة تقييم الاصول والتنازل عن بعض منها ومده إلى قطاعات أخرى وفق النظرية الاقتصادية القائمة على مبدأ «توزيع المخاطر».

أما بالنسبة للوضع الحالي وفي حالة عودة الرحلات والسفر من جديد علي الجميع أن يعيد النظر في سياسته التسويقية .. فأكثر الأسواق التي ستصدر السياحة في المستقبل هي المناطق التي تتسم بانخفاض الوضع الوبائي فيها .. ويتسم شعبها بالقدرة على المخاطرة وخوض التجارب غير المضمونة .. لأن هؤلاء هم أول من سيتخذ قرار السفر والسياحة دون التوقف كثيراً عند مخاطر الوباء .. واحتمالات المرض والوفاة وغيرها .. باعتبارهم مغامرون في الأساس.

وهناك العديد من الدراسات التي تصنف الشعوب وفقاً لهذه المقاييس وتعتمد علي علم تحليل البيانات الضخمة وتطبيقه علي السلوك واستخلاص الصفات منه .. وأعتقد أن هذا الاتجاه لابد أن يتجه إليه المسوقون السياحيون المصريون في الأجل القصير إذا أرادوا انقاذ الموقف بسرعة.

الصناع .. أثبتت الأزمة الحالية أنه في الأوقات الصعبة يتجه الأفراد للسلع الأساسية في المقام الأول ! .. وبالتالي فمسألة توزيع أو تركيز صناعاتنا في حد ذاتها لابد أن تخضع لحسابات المخاطر .. بمعنى الموازنة في التوجه لانتاج السلع التي تتسم بطلب عالي في أوقات الأزمات أو السلع التي ينهار الطلب عليها في هذه الأوقات ولكنها تمثل فرصة استثمارية مربحة .

سياسة التركيز التصديري هي الأخرى أثبتت فشلها .. بمعنى تركيز مبيعات المصنع أو الشركة على سوق خارجي واحد أو أكثر مثل الذين يعملون في مجال الملابس ويخصصون كامل الانتاج للسوق الأمريكي لكي يعبر إليها متمعاً بمزايا بروتوكول الكويز .. فهؤلاء هم أكثر مخاطرة في الحفاظ علي أسواقهم في المستقبل لأن انهيار السوق الامريكي يمثل بالضرورة توقف الطلب بشكل تام على منتجاتهم.

ومن هنا يجب الرهان على أكثر من بديل والعمل معهم جميعاً حتى تتوزع المخاطر بينهم .. ونضمن في أوقات الأزمات احتمالات – ولو ضئيلة – لتصريف الانتاج كبديل للتوقف التام عن الانتاج والبيع.

المستثمرون في التكنولوجيا .. أثبتت الأيام الماضية والأزمة الحالية أن رهان «التكنولوجيا» هو دائماً رهان ناجح .. لأنه ببساطة رهان على المستقبل فتكاد تكون الخدمات التكنولوجية الاتصالات هي الأقل تأثراً بالأوضاع الحالية لأنها تحولت من مجرد سلعة كمالية أو رفاهية في كثير من صورها إلى سلعة ضرورية بحكم أنها تساعد على التباعد الاجتماعي والاحتياطيات الوقائية اللازمة في ظل الوباء الحالي.

فكلنا رأينا الزيادة الكبيرة في الطلب علي الخدمات التكنولوجية المالية المتعلقة بالدفع الالكتروني وتحويل الأموال وغيرها خلال الفترة الراهنة .. ولاحظنا كذلك أن الذين استثمروا أموالهم في هذه التقنيات في السابق كانوا هم الأكثر ربحية في الحاضر سواء الشركات التي تقدم الخدمات المالية أو البنوك وغيرها .. حيث أصبح مستوى الخدمات التكنولوجية التي يقدمها كل بنك ومدى سهولتها هو المعيار الرئيسي لتفضيل العميل بنكاً عن الآخر في الوقت الحالي .. بعيداً عن حسابات الفوائد والإجراءات وغيرها.

التجار .. هم غالباً الرابحون في كل الأوقات .. ففي بدايات الأزمات تتوافر السلع ويرتفع الطلب بشكل كبير فيحققون أرباحاُ كبيرة .. ثم تنقص السلع ويرتفع السعر بشكل مضاعف فيحققون ارباحاً أكبر .. ويكاد يكون هو القطاع الأقل تأثراً بالأوضاع الحالية .. خاصة هؤلاء التجار الذي تتنوع تجارتهم بين فئات متعددة من السلع .. دون اقتصارها على سلع معينة من المحتمل أن ينهار الطلب عليها في أوقات الأزمات.. ولكنى لاحظت في الأيام الماضية تصرفات من مجموعات معينة من التجار تعمدوا أن ينذروا بوجود أزمة مستقبلية في توافر السلع من خلال بعض السلوكيات واستغلوا ذلك في رفع غير مبرر للأسعار أدت لتضرر عدد كبير من المواطنين خاصة من محدودي ومتوسطي الدخل.

ومن أبرز هؤلاء التجار العاملين في القطاع الطبي وتوزيع الأدوية والمستلزمات الصحية وبعض تجار المواد الغذائية واللحوم وغيرها.

لذا على الجميع أن يراهن على الكفاءة خلال الفترة المقبلة مع ضرورة تحكيم العقل ومراعاة الصالح العام باعتبار أننا جميعاً في مركب واحد.

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض