EFG

كورونا ..الخوف أكثر خطرًا

متلازمات الإسراع إلى البنوك،والاستهلاك الأعمى، وعدوى الخوف من المستقبل أشد فتكًا على مؤشرات الاقتصاد العالمي من كورونا

دينـا عبـد الفتــاح

تقدم علوم الاقتصاد السلوكي تفسيرات واضحة لما يمكن أن يحدث من آثار سلبية مدمرة على اقتصاديات الدول إذا سيطرت حالة الهلع أو الخوف من الشعوب تجاه موقف ما أو معطيات يفرضها واقع سيئ، وعلى رأس تلك المواقف الأحداث المتعلقة بالصحة العامة وما يهددها من أخطار.

فالعالم يتعايش حاليًا، مع أزمة هي الأكبر منذ عقود طويلة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، في ظل حالة من الهلع العالمي من تفشي عدوى انتشار الفيروس، والذي بدوره تسبب في العديد من التداعيات الاقتصادية السلبية على كافة الدول، واضطراب أسواق المال العالمية وأسعار النفط وحركة السعر والسياحة وإحداث شلل في القطاعات الإنتاجية.

فآثاره حتى الآن تتخطى الآثار السلبية التاريخية على الاقتصاد لعدد من الحروب التي مر بها العالم.

والأخطر في هذه المرحلة وفقًا لعلم الاقتصاد السلوكي، هو تغير مزاج السوق والعادات الشرائية والاستهلاكية، بما يتسبب في تعميق الأزمة التي أحدثها الفيروس نتيجة ممارسات سلبية سواء من الأفراد أو تأخر الدول في اتخاذ تدابير كافية ومرنة تتعامل مع المتغيرات المستجدة يوميًا.

فإحتواء آثار كورونا المدمرة على الاقتصاد، ستكون أطول بكثير من احتوائه بترتيبات صحية والسباق العالمي حاليًا للوصول إلى لقاح أو علاج لآثاره، خاصة في ظل معاناة الاقتصاد العالمي منذ شهور من التوترات التجارية والسياسية الحادثة على مستوى العالم.

فمتلازمات “الإسراع إلى البنوك”، و”الاستهلاك الأعمى”، و”عدوى الخوف من المستقبل”، هي أشد فتكا على مؤشرات الاقتصاد العالمي.

ولكن كيف تبدو الصورة بوضوح؟

ما تسبب بزيادة مخاوف الناس في العديد من دول العالم من كورونا هو كونه فيروسًا مستجدًا وثمة جهل علمي وطبي بشكل عام حول التفاصيل المتعلقة به، وسبل مكافحته.

ولا يوجد خوف أكبر من “المجهول” .

وهذا أمر طبيعي يصعب السيطرة عليه: فيكفي أن تعلن منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا مرشح بقوة لدخول مرحلة “الجائحة” مع وتيرة ارتفاع عدد المصابين بعدوى الفيروس يوما بعد يوم، ولم يكتشف العلماء أي علاج محدد لهذا النوع الجديد من الفيروس القاتل في عدد غير قليل من الحالات.

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يتوقع أن يتخطى عدد البشر المصابين على مستوى العالم حوالي مائة ألف نسمة وهو العدد الذي سيتضاعف بمعدلات أسرع.

وبالتالي التعريف عن المرض كجائحة بهذا الشكل يزيد من المخاوف لدى الكثيرين، بل سيدفع النمو الاقتصادي العالمي إلى الانخفاض بشكل حاد في حال استمرار انتشار فيروس كورونا، مما قد يدفع الاقتصاد إلى أسوأ حالاته منذ الأزمة المالية العالمية على مستوي تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتراجع العائدات السياحية، وخسائر مؤشرات البورصة، وارتفاع الأعباء المالية ومعدل البطالة، وتراجع تصنيفات الدول في المؤشرات الاقتصادية الدولية.

ولكن كيف يمكن لمصر التعامل مع هذا الموقف باحترافية، خاصة في ظل تسارع الأحداث على المستوى المحلي وظهور 59 حالة إيجابية في مصر حتى توقيت كتابة هذا المقال، واتخاذ العديد من الدول تدابير متعلقة بحركة الطيران مع مصر بما سيؤثر بشكل مباشر على حركة السفر والسياحة، ناهيك عن المشكلات التي يواجهها المصريون العاملون في الخارج أمام السفارات في مصر للعودة إلى البلاد التي يعملون بها.

بداية يجب أن يتغير الوعي الجمعي للمصريين تجاه الأزمة، برسائل إعلامية واضحة وتوعية مدروسة للتعامل مع الأمور بحكمة وبالطريقة الصحيحة المطلوبة، بما يضمن عدم الإهمال واتخاذ التدابير السليمة في التعامل مع الموقف، وأيضا كبت أي حالة هلع متوقعة يمكن أن تحدثها رسائل إعلامية خبيثة.

ويجب أن يحدث تحرك كبير من صانعي السياسات لمنع مثل هذه الحالة، ولضمان أن يكون رد فعل الجمهور رد فعل طبيعي غير مبالغ فيه من ناحية، وغير متخاذل أو متهاون من ناحية أخرى، فالمبالغة في رد الفعل يمكن أن تعطي مبررًا بتوقف الإنتاج وعدم الذهاب للعمل وعدم خروج الأفراد لأداء مهامهم بما سيترتب عليه حالة عامة من الكساد التي لن يستطيع الاقتصاد تحملها في هذه المرحلة الحرجة، أو على الأقل ستدفع هذه الحالة إلى توقف التنمية التي انطلقت في مصر، وانحسار مستويات التحسن التي يشهدها الاقتصاد المصري حالياً والتي شهد لها العالم أجمع.

وأشيد هنا بقرار رئيس مجلس الوزراء بتعليق جميع الفعاليات التي تتضمن أي تجمعات كبيرة من المواطنين، أو تلك التي تتضمن انتقال المواطنين بين المحافظات بتجمعات كبيرة، لحين إشعار آخر، بالإضافة إلى اتخاذ الدولة مجموعة من الإجراءات الاحترازية الجديدة لاحتواء تداعيات فيروس كورونا وأهمها قرار تعليق حركة الطيران بالمطارات المصرية اعتبارًا من ظهر الخميس المقبل حتى 31 مارس، وتخفيض عدد العاملين في الدولة .

وبعيداً عن رد فعل الأفراد ودور الدولة في السيطرة عليه، هناك دور رئيسي آخر الدولة مطالبة بالقيام به وفي التوقيت المناسب، ويتعلق هذا الدور بتتبع الأزمات الناتجة عن انتشار هذا الوباء، وانعكاساتها علي القطاعات الاقتصادية المختلفة وعلى العاملين الرئيسيين في السوق، وذلك لضمان محدودية التأثير السلبي لهذه الأطراف، حتى تستطيع مواصلة دورها الاقتصادي، ولا نسمع عن تصفيات أو خسائر ضخمة تنذر بإفلاس مؤسسات اقتصادية كبرى أو خلافه من الأخبار التي نود ألا نسمعها.

ومن الإجراءات الاحترازية التي يجب علي الدولة القيام بها مواصلة الدور التيسيري في منح الائتمان للقطاعات الاقتصادية الهامة، وفي الحقيقة أن البنك المركزي المصري يواصل دوره في هذا المنوال على أكمل وجه، وقدم العديد من المبادرات التي تدعم بشكل مباشر معدلات الإنتاج وتضخ الدماء الجارية في شريان الاقتصاد المصري.

مع ضرورة اتباع البنوك سياسات احترازية أكثر أماناً في منح الائتمان وذلك لتقييد المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها مراكزها المالية حال التوسع في منح الائتمان بشروط غير صارمة، وأعتقد أن البنوك في مصر لديها دراية كافية في هذا الاتجاه ويثبت ذلك بشكل دائم من خلال التحسن الواضح والمستمر في مؤشرات السلامة المالية للقطاع المصرفي بشكل عام ولكل بنك على حدى.

الاتجاه الآخر الذي ينبغي علي الدولة السير فيه تعزيز السياسات المالية التوسعية التي تقوم على زيادة الإنفاق الحكومي في أبواب الانفاق التي تتمتع بتأثير كبير في حركة البيع والشراء والإنتاج والتشغيل في السوق، والتي تحمي دخول الطبقتين الفقيرة والمتوسطة وتحافظ على قدرتهم في الحصول علي احتياجاتهم الأساسية، فمثل هذه الظروف التي نمر بها لا شك في أن هناك تهديداً كبيراً لفئات كبيرة من الشعب فيما يتعلق بمستويات دخولها في الحاضر والمستقبل، وهناك تراجعات ملحوظة في مبيعات بعض القطاعات الاقتصادية نتيجة حالة الحذر التي تسيطر علي المستهلكين وتمهلهم في اتخاذ قراراتهم الشرائية لحين وضوح الرؤية حول هذا الوباء الذي يهدد مستقبل العالم أجمع وليس مستقبل فيلا أو شاليه أو سيارة يفكر مستهلك ما في اقتنائها!

أمر آخر لابد أن تفطن إليه الدولة وتقوم به علي وجه السرعة وهو متابعة التأثيرات السلبية التي تلحق بالشركات المختلفة وتقديم العون السريع لهذه الشركات سواء فيما يتعلق بتقديم التمويل أو الدعم الفني والتسويقي من خلال مساعدتها علي فتح أسواق جديدة أو تعزيز مبيعاتها المحلية حتى لا تتعرض لانتكاسات يتبعها تسريح عمالة أو تخفيض مستويات إنتاج بشكل حاد يضر باستمرارية هذه المنشآت في المستقبل.

هذا على المستوى المتعلق بالتحركات السريعة من الدولة لإنقاذ الموقف الداخلي في الشق الاقتصادي، ولكن هناك تحركات أخرى لا تقل أهمية عن المستوى الخارجي أهمها تنسيق المواقف مع الشركاء الدوليين وتعزيز مستوى الشفافية في التعامل معهم لضمان عدم تأثر مصر بأي حملات سلبية يتم تدبيرها لتصوير مصر بأنها دولة تفتقد للشفافية في التعامل مع الأزمة علي خلاف الواقع، ولضمان عدم استثمار بعض أسواق السياحة هذه الحالة لجذب السياحة الوافدة لمصر إلى هذه الدول خاصة وأننا مقبلون على موسم الصيف الذي يعد بمثابة حجر الزاوية في أداء قطاع السياحة خلال العام بأكمله.

فظهور عشرات الحالات في مصر لابد ألا يعطي للعالم انطباعاً بأن مصر واحدة من أكثر الدولة إصابة بالوباء، بالعكس فإن عدد الإصابات نسبة إلى عدد السكان لا يتجاوز الـ 1 في المليون وهذه النسبة ضئيلة جداً وتؤكد أن مصر مازالت في مأمن نسبي عن الخطر الكبير لمتولد عن هذا الوباء وانتشاره في دول أخرى مثل الصين وايران وإيطاليا وغيرها من الدول.

أتحدث عن هذا وأنا أعلم جيداً بأن هناك الكثير من الحملات التي تستهدف الأمن القومي المصري من كافة الاتجاهات، وتبحث حاليًا عن مساحة جديدة تنطلق منها حتى ولو على حساب صحة الناس وأمنهم، لكني أثق في قدرة الإدارة المصرية على التعامل مع الموقف باحترافية شديدة بما يحفظ للدولة المصرية استقرارها وصعودها نحو المستقبل.

فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

 

أخبار متعلقة
Comments
Loading...