إدارة التوقعات

أحمد جلال

تابعت على شاشات التلفاز، كما تابع غيرى، الدراما الحية لمداولات الكونجرس الأمريكى بخصوص اتهام الرئيس ترامب باستغلال سلطاته لتحقيق مصلحة شخصية. أكثر ما لفت نظرى فى القضية برمتها أنها كانت قائمة على إرجاء الإفراج عن منحة عسكرية أقرها الكونجرس لأوكرانيا إلى أن يعلن رئيس أوكرانيا التحقيق مع أحد منافسى ترامب (جو بايدن وابنه بالتحديد) فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. المفترض أن الإعلان، وليس الإدانة الفعلية لجو بايدن، كان كافيا للتأثير على التصويت لصالح ترامب. انكشف الأمر، وأيا كانت النهاية، لم تكن هذه إلا إدارة سلبية ومكلفة للتوقعات.

 

بقية هذا المقال لا علاقة لها بهذه القضية، ولا بتأثيرها على حظوظ الديمقراطيين فى الانتخابات الرئاسية القادمة، ولا عن أملى فى أن تحظى مصر بمؤسسات سياسية مماثلة لما تحظى به أمريكا. المقال يدور، بحكم الاقتصادى القابع فى داخلى، حول إدارة التوقعات وأثرها على الأداء الاقتصادى، خاصة فيما يتعلق بأهمية التوقعات للأداء الاقتصادى، والعناصر التى تشكل هذه التوقعات، وما نفتقده فى مصر منها.

بالنسبة لتأثير التوقعات على الأداء الاقتصادى، هذه مسألة لا خلاف عليها. المستثمر لا يخاطر بمدخراته فى بناء مصنع، أو افتتاح محل تجارى، أو استصلاح وزراعة أراض، إلا إذا كان مطمئنًا إلى أنه سوف يحصد عائدا معقولا فى المستقبل. المستهلك الرشيد لا ينفق أمواله على سلع، معمرة أو غير معمرة، إلا إذا كان واثقًا من أن دخله الحالى والمستقبلى سوف يمكنانه من الوفاء بالتزاماته. الباحث عن وظيفة يختار الوظيفة التى يتوقع أن يحصد من خلالها فرصًا أكبر فى الترقى، وزيادة الدخل، والوجاهة الاجتماعية. هذا السلوك لا يختلف كثيرا بالنسبة للمصدر، والمستورد، والسائح، والمهاجر. النقطة الفاصلة هنا أن التوقعات الإيجابية تدفع بالاقتصاد إلى الأمام، والعكس صحيح.

إذا كانت التوقعات بهذه الأهمية، فكيف يمكن تشكيلها بشكل إيجابى؟ لا أظن أن أحدا لديه إجابة شافية، لكن من الممكن استخلاص بعض ملامح الإجابة من القراءة المتأنية للتجارب الدولية. فى هذا الإطار، ظنى أن التوقعات محكومة جزئيا بتاريخ الدول فى الوفاء بتعهداتها، والفارق كبير بين دولة مثل سويسرا، وأخرى مثل الأرجنتين. ويمكن القول أيضا إن التوقعات محكومة بطبيعة السياسات التى تتبناها الدول، خاصة من زاوية تحفيزها على السلوك الرشيد، التنموى، المنتج، أو على السلوك السلبى، الانتهازى، الريعى. والفارق هنا أيضا كبير بين دول مثل اليابان والنمور الآسيوية من ناحية، وكثير من دول إفريقيا من ناحية أخرى. وأخيرا، لا يغيب عن الملاحظة أن الدول القادرة على تشكيل توقعات إيجابية هى تلك التى لا تنفرد فيها جماعة معينة، أو سلطة سياسية أحادية، بإقرار السياسات، لأن إشراك أصحاب المصالح المختلفة فى اتخاذ القرار يحد من تغييره بشكل مفاجئ، أو عشوائى، أو لخدمة مصالح ضيقة. وهذا ما نراه فى الدول المتقدمة بدرجات متفاوتة، وبعض الدول النامية، مثل شيلى والبرازيل.

ماذا عن الحالة المصرية؟ هناك من الشواهد ما يوحى بأننا نجحنا فى بث جرعة من التوقعات الإيجابية تجاه مستقبل الاقتصاد المصرى، لكن هناك ما يشير إلى عكس ذلك. على الجانب الإيجابى، خاصة فى السنوات الأخيرة، لم تشهد مصر تخليًا عن الوفاء بالتزاماتها الدولية، وفى نفس الوقت، زاد الاستقرار السياسى، وخفتت موجات الإرهاب، وتحسنت مؤشرات الاقتصاد الكلى، وتلاشت تشوهات أسعار الطاقة، وعادت الحياة للبنية الأساسية. على الجانب المعاكس، يشير ضعف الاستثمار الخاص المحلى والأجنبى المباشر فى قطاعات غير البترول والغاز، إلى الحاجة الملحة لجرعة جديدة من التوقعات الإيجابية. وإذا كان لى أن أدلى برأى هنا، فنحن فى حاجة لإعادة النظر فى مدى مواءمة السياسات السائدة مع تحفيز الأفراد والشركات على العمل المنتج الجاد، والتصدير، والتشغيل، وكذلك مدى مواءمة الإطار المؤسسى مع ضمان أن السياسات لن تتغير فى المستقبل بشكل فجائى، أو عشوائى، أو لصالح جماعات بعينها.

خلاصة القول: إذا كان سوء إدارة التوقعات مقبولًا على المستوى الفردى، فهو ليس كذلك على مستوى الدول. فى المثال الذى سقته فى مقدمة المقال، أمريكا لديها من المؤسسات السياسية ما يساعدها على تصويب أخطاء إدارة التوقعات، أما مصر فليس أمامها، فى تقديرى، من سبيل غير إصلاح جاد للسياسات والسياسة.

 

 

أخبار متعلقة
Comments
Loading...