محمد العريان : صندوق النقد والبنك الدولي مهددان بالتجاهل والاختفاء

في هذه الأيام، أصبحت توصيات السياسة النقدية لصندوق النقد الدولي – خاصة فيما يتعلق بالاقتصادات المتقدمة – ليس لها تأثير يذكر.

ويقول الاقتصادي محمد العريان في تحليل عبر موقع “بروجيكت سينديكيت” أنه على الرغم من أن هذا جزئيًا نتيجة لسياسات وطنية أكثر تطلعًا إلى الداخل في الدول الأكثر ثراءً، إلا أن صندوق النقد نفسه ليس بريئاً.

تناقض صارخ مع الماضي

أظهرت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الشهر الماضي، حالة التشاؤم بشأن الاقتصاد العالمي، خاصة أن احتمال استمرار الضغوط التي تشير لمزيد من الضعف سوف يؤدي إلى تعقيد التحديات التي تواجه مصداقية وفعالية المؤسسات متعددة الأطراف.

وتعتبر القدرة التنظيمية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي قوية بلا شك، إن لم تكن فريدة من نوعها، وتجذب اجتماعاتهما السنوية  كبار المسؤولين الاقتصاديين والماليين من أكثر من 180 دولة، بالإضافة إلى عدد أكبر بكثير من ممثلي القطاع الخاص.

وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، طغى بشكل متزايد على الاجتماعات الرسمية عدد متزايد من الأحداث المتشابهة، مما يقلل بشكل ملحوظ من مساهمة التجمع في صنع السياسات بشكل أفضل.

وفي الواقع، لم أجد هذا العام شخصًا واحدًا قد أولي الكثير من الاهتمام للنتائج الرئيسية للاجتماعات- البيانات الصادرة عن لجنتي صنع السياسات في المؤسستين.

وهذا يمثل تناقضاً صارخاً مع الماضي، أتذكر بوضوح الأيام، منذ وقت ليس ببعيد، عندما أعد المسؤولون بجد لهذه المناقشات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية.

وكان المشاركون في القطاع الخاص ينتظرون حينها بفارغ الصبر نتائج الاجتماعات على أمل الحصول على فهم أفضل للتوقعات الاقتصادية العالمية وآفاق مبادرات السياسة الوطنية والدولية الرئيسية.

وكان من المعروف أن الأسواق تتحرك بناءً على تصريحات معينة، ولهذا السبب كان المسؤولون يقضون ساعات في توضيح البيانات الرسمية، خشية أن يُساء فهمها.

الأفكار تقع على آذان صماء

والقراءة الجيدة لهذا التغيير تشير إلى أن الأساس قد تحول إلى الأحداث المتوازية.

انظر إلى صندوق النقد مثلاً، يسبق بيان اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية -أكبر لجنة لوضع السياسات في البلدان الأعضاء في الصندوق – إصدار منشورين رائدين لصندوق النقد الدولي عن الاتجاهات الاقتصادية والمالية (تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية وتقرير الاستقرار المالي العالمي).

ويتبع هذه التقارير عقد مؤتمرات صحفية وتصريحات يشارك فيها العديد من مسؤولي الصندوق، ثم يتم اختيار المواضيع في مجموعة من الحلقات الدراسية، وكذلك في العروض التقديمية من قبل المسؤولين الوطنيين.

ونتيجة لذلك، تتم تغطية العديد من الآثار السياسية قبل اجتماع صندوق النقد الدولي.

ومع ذلك، بقدر ما أحترم الأطراف المتعددة الأطراف، وقد فعلت ذلك منذ عقود، أخشى أن يكون هذا التفسير جزئيًا للغاية.

بالطبع، يحتفظ صندوق النقد بميزة تحليلية مثيرة للإعجاب، بسبب موظفيه الموهوبين والمتفانين بالإضافة إلى روابطه الفريدة بالدول، كما قطع خطوات مهمة في تحسين فهمه للعلاقة بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي.

ونعم، فقد اتخذ الصندوق بشجاعة زمام المبادرة في تسليط المزيد من الضوء على الأثر الاقتصادي لعدم المساواة بين الجنسين وتغير المناخ، لكن تحليلات الاستشرافية أثبتت في كثير من الأحيان أنها متخلفة عن الواقع، وكانت توقعاتها الكمية تخضع باستمرار لمراجعات كبيرة.

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن توصيات سياسة الصندوق – وخاصة تلك المتعلقة بالاقتصادات المتقدمة – لها تأثير ضئيل (بعبارة أكثر أدباً).

فلا يحتاج المرء إلا إلى إلقاء نظرة على الفجوة المتسعة بين ما قاله مسؤولو صندوق النقد الدولي واللغة المتكررة في بيانات المؤسسة.

وتقع أفكار السياسة الاقتصادية على آذان صماء عندما يعود وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية إلى عواصمهم، ما يؤكد عدم الفاعلية الحالية التي كانت في السابق فرصة رئيسية لتحسين سياسات مربحة لجميع الأطراف.

والعديد من الأسباب الرئيسية لهذا التأثير المتناقص لا علاقة لها بالمؤسسات المتعددة الأطراف نفسها.

المؤسسات الدولية ليست بريئة

وتحولت السياسة في العديد من الاقتصادات المتقدمة إلى الاهتمام بالداخل بشكل متزايد، مما زاد من ازدراء السياسات التي دعا إليها الصندوق.

وأدت سنوات من النمو المتباطئ وغير الشامل إلى ضيق نطاق التعاون في مجال السياسات الدولية، وبدلاً من ذلك دعمت عدم الاحترام للمعايير العالمية وسيادة القانون الدولي.

وحتى الميل إلى استخدام الصندوق في السعي لتحقيق المصالح الوطنية قد تضاءل: لقد اختارت الولايات المتحدة ببساطة استخدام أدواتها الاقتصادية كسلاح بشكل مباشر.

لكن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليسا أبرياء تماماً، أولاً: كانت سياسات المؤسستين بطيئة للغاية في تنفيذ إصلاحات داخلية.

وثانياً: كان يمكن للمؤسستين الاعتراف بشكل أسرع بأخطائهما الأخيرة، مثل تلك المتعلقة بأزمة الأرجنتين المالية الأخيرة، والنمو المفرط للديون بين أقل الاقتصادات نمواً، والفشل في التنبؤ بآثار الأزمة المالية 2007-2008.

وبالإضافة إلى ذلك، تم توسيع مبدأ اختلاف التعامل مع الدول الأعضاء بشكل ملحوظ، وغالبًا ما أدى ذلك إلى إضعاف مكانة ومصداقية المؤسسات التي ما زالت إدارتها على علم بالماضي.

وعلى وجه الخصوص، كانت أوروبا ممثلة تمثيلاً زائداً لفترة طويلة مقارنة بالاقتصادات الناشئة، وأوروبا والولايات المتحدة تحتفظان بزمام قيادة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على التوالي.

وهذه العيوب تثير مخاوف أوسع، حيث أنها تزيد من الميل للسياسات الاقتصادية التي تفيد الدولة التي تنفذها مع الإضرار بجيرانها أو شركائه التجاريين، وتكثف الضغوط من أجل التفكك وكبح العولمة بشكل غير منظم.

كما أنها تعرض الاقتصاد العالمي لخطر الاضطرابات المالية التي من شأنها أن تزيد من تقويض ديناميات النمو الهشة وغير الشاملة بالفعل.

وغالبًا ما تشتكي المنظمات متعددة الأطراف من أن ضعف رغبة الحكومات الكبرى في تنفيذ إصلاح للمؤسسات الدولية تحد من نطاق التحسين، حيث أن هذه الدول ليست فقط أكبر المساهمين ولكن أيضًا تمنع في بعض الأحيان المبادرات التي تدعمها الغالبية العظمى من الدول الأعضاء الأخرى.

ومن المسلم به أن صندوق النقد والبنك الدولي مقيدين بالعالم الذي يعملان فيه، لكن إداراتهما كانت تميل أيضًا إلى الابتعاد عن تبني مبادرات الإصلاح وجعلها خاصة بهم.

وبدلاً من العمل كحافز من خلال تأمين مخاطر السمعة الكبيرة التي تنطوي عليها المناهج التي تواجه حتماً مقاومة، فإنها غالباً ما يتم دفعها إلى الهامش.

والآن مع وجود كلتا المؤسستين تحت إدارة جديدة، هناك نافذة لإطلاق عملية تغيير مفيد للاقتصاد العالمي.

دعونا نأمل أن تكون الاجتماعات السنوية المخيبة للآمال الشهر الماضي بمثابة دعوة للاستيقاظ، لا يوجد مصير أسوأ لهذه المنظمات من التحول لمؤسسات غير مهمة.