إدارة القوة !

دينـا عبـد الفتــاح

صناعة جذور الثقة بين إدارة أي دولة وشعبها ليست بالمسألة السهلة أوالهينة، حيث يمكن لأي “مسئول” أيا كان موقعه أن يأتى في المنصب بأطر دعائية أو قدرات وإمكانيات شخصية، لكن أن يحافظ على قوته في المنصب وصورته داخل الإطار فهذا “شيىء آخر تماماً”.

وعند إجراء مراجعة دقيقية فى سياق الظروف والتحديات التي تمر ومرت بها الدولة المصرية نجد أن مسألة علاقة “المسئول” أيا كان موقعه تحتاج إلى دراسات محددة ومعايير مؤسسية تمكنا من مضاعفة دور هذا المسئول ودعم ارتباطه بالمجموعات التي يديرها وأيضا الوسط المجتمعي المؤثر فيه.

ففي ظل التحولات الكبري التي مرت بها مصر خلال الفترة الماضية على مستوى أساليب العمل، ووضع “القيادة السياسية” الاقتصاد كأولية لضمان نمو الدولة على المستوى المطلوب، والتأسيس لتجربة جديدة، نجد أن أي اصطناع لفجوات بين إدارة الدولة وشعبها سيضرب أي خطط متعلقة بالمستقبل.

فنحن الآن نحتاج إلى استراتيجية جديدة ولامركزية، تمكننا من تقييم أساليب الإدارة الحالية على مستوى الحكومة والمحافظات ووصولا إلى الأحياء والإدارات المحلية، فهذه المؤسسات مرتبطة بشكل مباشرمع الحياة اليومية للمجتمع.

على ماذا ستعتمد تلك الاستراتجية؟

تبنت الدولة برنامجا قوياً للإصلاح الاقتصادي، يجب أن يشكل المنطق الذى تحكم به الحكومة وأجهزتها ، وعلى أساسه تتم عملية صناعة القرار، لأن هذا البرنامج يمثل الرؤية الاقتصادية الصائبة التي تسعي لتصويب كل الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد، سواء علي صعيد المالية العامة أو السياسات النقدية ، أو معادلة النمو الاقتصادي المطلوب أن تميل أكثر لمساهمة الاستثمار وصافي الصادرات علي حساب الاستهلاك سواء كان خاص أو حكومي.

ولابد أن تربط الدولة توجهاتها في ملفي العدالة والتنمية بمستهدفات هذا البرنامج وما يتحقق منه علي أرض الواقع.

ولتعظيم نتائج هذا البرنامج فإن الدولة مطالبة بتعزيز أجهزة التخطيط فيها ودورها الذي تلعبه في  حصر الموارد وتخطيط استخداماتها، وهنا ينبغي أن يتم دراسة المحافظات وتوصيفها من حيث قوة العمل والصناعات المتواجدة بها والفجوات التي تعاني منها وشكل الموارد التي تمتلكها، حتي يمكن وضع خطط وتوجهات لكل محافظة تتناسب مع ظروفها وهيكل الموارد والسكان فيها، ومشاكلها، وتدعم بشكل مباشر الخطة العامة للدولة وأهدافها الرئيسية علي المديين المتوسط والبعيد.

ولتنفيذ هذه الخطط بالشكل الأمثل علينا القضاء بشكل عاجل علي مشاكل المحليات التي مازالت قائمة وتمثل معضلة كبيرة في الاتساع الأفقي للتنمية وتعزيز مفاهيم الاستدامة وريادة الأعمال وغيرها من المفاهيم التي مازالت بعيدة كل البعد عن كثير من العقول التي تحكم وتمارس الروتين في المحليات.

كما ينبغي ضخ دماء جديدة وبسرعة في شرايين المؤسسات من الشباب – والقاء الضوء على برنامج الرئاسة لتأهيل الشباب للقيادة وتوسيع دوره في توليد الكفاءات.

وتتطلب المرحلة الحالية كذلك ضرورة تغيير ثقافة الشباب من التخرج من الجامعة للبحث عن وظيفة إلي البحث عن مجال عمل وفرصة، بحيث لا يتحول بعد تخرجه إلى موظف وإنما إلي صاحب عمل، يمتلك مؤسسة استثمارية يعمل بها العديد من الافراد.

ولابد أن يتم التركيز في هذه الفئة علي أصحاب المهارات العالية والتأهيل المناسب خاصة من خريجي تخصصات الهندسة وإدارة الأعمال والاقتصاد والحاسبات وغيرها من التخصصات التي توفر للخريج عاملين الأول كيفية قراءة السوق، والثاني كيفية تنفيذ الأفكار.

أسلوبنا في التعامل مع المشكلات تطور كثيرا خلال الفترة الماضية بعدما اعترفنا بمشاكلنا وأسبابها وبدأنا في البحث عن الحلول بشكل منطقي بعيدا عن سياسة المسكنات التي كانت قائمة في الماضي، ولكن مازال هذا الأسلوب في حاجة إلي مزيد من التطوير خاصة علي صعيد اللوائح والسياسات والإجراءات المقيدة للحلول غير التقليدية، فلا يعقل أن تكون هناك مشكلة يعاني منها العديد من المواطنين بينما يبحث المسئولون عن اعتماد النفقات الخاصة بهذه المشكلة وفق تسلسل اداري طويل قد يستغرق أسابيع أو شهور، فلابد أن يتم صياغة نظام قادر علي التعامل بشكل عاجل مع المشكلات الطارئة يخضع لإدارة مجموعة من المسئولين القادرين علي اتخاذ القرار السريع وتنفيذه، واختصار الخطوات الإدارية الطويلة في قرارات تتفق مع القانون وتراعي البعد الاجتماعي للمشاكل المطروحة.

نقطة أخرى في غاية الأهمية وهي جمع الآراء وردود الأفعال عبر استطلاعات موثقة تجاه مختلف القضايا والقرارت ، وفتح الباب أمام أية اقتراحات بناءة وتنفذيها ، فالمشكلات أكثر مايعرفها أصحابها، وأفضل من يقيم القرارات هم المتأثرين بها.

وبالتالي فنحن مطالبين بتوسيع نطاق مشاركة الجماهير والرأي العام في صناعة القرار، ولا أقصد هنا الممثلين عن هذا الشعب ولكن أن يؤخذ الرأي العام للمجتمع محل اعتبار في كل القضايا وأن يتم تحديد وصياغة الحلول في ضوء ظروف الناس التي يتم تطبيقها عليهم، وهنا يمكننا رفع مستوى كفاءة عملية اتخاذ القرار ومردودها.

ولضمان أفضل أداء للحكومة ومؤسساتها المختلفة علينا تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات بحيث يعمل الجميع من أجل تحقيق هدف واحد ولكن بأدوار ورؤي مختلفة، حيث أن هناك تصادامات مازالت تحدث على أرض الواقع، وتضارب في العديد من القرارات، وخلافات واسعة حول من له السلطة في قرار ما.

فجميع هذه الإشكاليات لابد من القضاء السريع عليها، حتى يمكننا الوصول إلي المرحلة التي تتناغم فيها مؤسسات الدولة المختلفة وتجتمع حول هدف العدالة والتنمية، وتعلم جيدا إلي أين تتجه هذه الدولة، وما هو دور كل جهة وكل وحدة إدارية من وحداتها المختلفة.

التعليم، ينبغي أن يكون أداتنا الأولي والأخيرة في تحقيق التنمية، وأن يصبح هو الشغل الشاغل للجميع خلال الفترة الحالية، خاصة في ظل التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم حاليا سواء علي المستوي التكنولوجي أو التقني أو البحثي ، فالتأقلم مع هذه المتغيرات يتطلب عقولا واعية، ومهارات واسعة تتناسب مع القطار التكنولوجي السريع الذي ينبغي علينا اللحاق به الآن وإلا سنتخلف عن العالم في الثورة الصناعية الرابعة، كما تخلفنا في الثورات الثلاثة السابقة !

والاهتمام بالتعليم لابد أن يتم من خلال خطط متوازية، بحيث نعد خطة لكيفية تأهيل الطلاب الجامعيين الحاليين لسوق العمل في ظل متغيراته الجديدة، وخطة أخرى لتأسيس الأطفال بشكل صحيح وبناء القدرة الاختيار وتنمية المهارات لديهم، وتقبل المفاهيم التي باتت تحكم العالم حاليا مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة والواقع المعزز والبيانات الضخمة وغيرها.

نقطة أخرى في غاية الأهميةً ترتبط بعدالة توزيع العائد ومتابعة الأثر الاجتماعي للقرارات الاقتصادية المختلفة من المسئولين في كافة المحافظات ، خاصة علي صعيد محدودي الدخل حتى يمكن للطبقات الفقيرة والمتوسطة أن تلاحظ بشكل سريع تطور الاقتصاد وانعكاسه علي المستوى المعيشي للمواطن، خاصة في ظل حملات التشويه التي تنطلق بين الحين والآخر لتخفيض طموحات الناس وهز ثقتهم في خطة التنمية الحالية، وبالتالي فشعور الأفراد بثمار هذه التنمية أبلغ رد علي ذلك.

لو تم تنفيذ هذه المحاور ومراعاتها في إدارة شئون الاقتصاد خلال الفترة المقبلة سنتمكن من تنفيذ تجربة تنموية فريدة وفي وقت قياسي خاصة بعد اكتمال كافة مقومات النمو وتنفيذ مشروعات البنية التحتية التي أحدثت نقلة في مناخ الاستثمار والإنتاج بالسوق المصري علي مدار الفترة الماضية، وبعد أن تمكنت السياحة المصرية من استعادة أرقام عام ٢٠١٠ حيث فاقت إيرادات العام المالي الماضي اعلي مستوى إيرادات في تاريخ السياحة المصرية الذي تم الوصول اليه في العام المالي ٢٠٠٩/٢٠١٠.

وبعد أن احتلت الدولة مرتبة متقدمة في تصنيف وجهات الاستثمار حول العالم وأصبحت الوجهة الأولي للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا لثلاثة أعوام متتالية.

أثق في أن المستقبل يحمل الكثير من الخير لهذا البلد ولكن يبقي فقط العمل.