العدل.. والفكرة العبقرية بواسطة محمد حبيب 6 ديسمبر 2015 | 8:11 ص كتب محمد حبيب 6 ديسمبر 2015 | 8:11 ص النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 15 العدل أعظم وأروع وأهم قيمة فى حياة الإنسان والمجتمع.. لا يتنافس معه فى هذا سوى الحرية.. وأمة بلا عدل أمة بلا حرية.. أمة فاقدة لكل معانى العزة والكرامة، بل أمة محكوم عليها بالفشل والضياع، والتعاسة والشقاء.. قديما قالها ابن تيمية: «إن الدولة العادلة تبقى وإن كانت كافرة، وإن الدولة الظالمة تفنى وإن كانت مسلمة».. إن إقامة العدل بين الحاكم والمحكوم، وبين الناس جميعا هو صمام أمن وأمان المجتمع، كبيرا كان أم صغيرا، وهو الركيزة الأساسية لنهضته وتقدمه وقوته وعافيته.. لقد أقام المولى- تعالى- السماوات والأرض بالقسط، أى العدل.. واشتملت قيمه وتعاليمه المنزلة على كل أنبيائه ورسله على ضرورة إقامة العدل بين الناس، وجعله جوهر الشريعة، وقد جاءت فى ذلك آيات كثيرة وأحاديث تترى.. وإن الإنسان ليقف مأخوذا ومبهورا أمام غضبة الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) عندما جاءه أسامة ليشفع عنده فى المرأة المخزومية، فيقول النبى العظيم: «… لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها».. إنه العدل.. المساواة الكاملة بين الناس أمام القانون.. وإنه لا أحد فوق القانون مهما علت منزلته أو عظم قدره. لقد مر «حسن» فى صباه بتجارب كثيرة، لكن أعظمها وأروعها على الإطلاق كانت تجربة إقامة العدل.. أن يمارس هذه القيمة العظمى وهو ما زال بعد تلميذا فى الصف الثالث الإعدادى بمدرسة الدكتور على مشرفة بدمياط.. وما كانت هذه التجربة لتخرج إلى النور، لولا ذلك الرجل الفذ «مصطفى أبوطبل» ناظر المدرسة.. كان عملاقا، مهيبا، مثقفا، حاسما، حازما، مفوها، ذا همة عالية ونفس كريمة أبية.. كان من الواضح أنه مهموم بقضية العدل، وأهميته الكبرى فى حياة الأمم والشعوب.. وقد هداه تفكيره المبدع لأن يقيم من التلاميذ سلطة قضائية فى مواجهة سلطة الشرطة المدرسية التى كانت ولا تزال شائعة على مستوى جميع المدارس، الابتدائية والإعدادية، وربما الثانوية.. كانت الشرطة المدرسية تمارس مهامها فى ضبط التلاميذ الذين يثيرون شغبا، أو يقفزون من فوق السور، أو يتسببون فى كسر أو إفساد أى شىء داخل المدرسة، لكن لم يكن هناك من يدافع عن هؤلاء التلاميذ، أو يأخذ حقهم إن كانوا مظلومين.. كان تلاميذ الشرطة يشعرون بشىء من التمايز والتعالى والغرور، وكان بعضهم يمارسون الضغط على زملائهم وابتزازهم، والانتقام من خصومهم عبر تلفيق التهم لهم.. صحيح كان ناظر المدرسة حريصا على سيادة روح الانضباط فى كل أنحائها، لكن دون إخلال بحق التلاميذ فى اللعب واللهو أثناء فترة «الفسحة».. وقد علم من خلال أخبار وردت إليه أن ثمة تجاوزا يقع من بعض أفراد الشرطة المدرسية، وأن الأمر بالفعل يحتاج لتصحيح وكبح جماح، بل عقاب أيضا، هذا فضلا عن أن هناك أفرادا لا يصلحون- ابتداء- لهذه المهمة، فتم استبعادهم واستبدالهم.. وحتى لا يبدو الرجل متجاوزا، أو مستغلا لسلطته كناظر للمدرسة، قرر أن يقيم سلطة قضائية، قضاة ونيابة، إضافة إلى مجموعة من المحامين يتولون الدفاع عن المتهمين من التلاميذ.. اجتمع الرجل بعدد من المدرسين من أصحاب الثقافة والوعى والرشادة ليستشيرهم فى وضع تصور لكيفية تنفيذ التجربة.. بل استعان أيضا بمجموعة من التلاميذ النبهاء ليستطلع آراءهم فيما يجب أن يكون.. وفى النهاية تم وضع لائحة لضبط إيقاع العمل، بدءا من رصد المخالفة والإبلاغ عنها، وإحاطة النيابة بها وتحديد وجه الاتهام والمطالبة بالعقوبة المناسبة، مرورا بندب محامين للدفاع عن المتهمين، وانتهاء بتعيين قضاة لإصدار الأحكام بعد الاستماع لمرافعة النيابة ودفوع الدفاع.. تضمنت اللائحة أيضا قائمة بالعقوبات المناسبة حال ثبوت التهم، كأن يحضر التلميذ ولى أمره، أو يدفع مبلغا من المال، أو يتم حرمانه من نشاط رياضى أو فنى لمدة معينة، وهكذا.. وقد تحدد يوم واحد فى الأسبوع لإجراء المحاكمة فى فترة الفسحة الكبيرة، وفى صالة كبيرة يطل عليها مكتب ناظر المدرسة.. كان يحضر المحاكمة جمع غفير من تلاميذ المدرسة.. وحتى تكتمل الصورة، قام الناظر الهمام بعملية مسح شامل للطلاب من خلال استطلاع آراء مدرسيهم فيمن يصلح أن يكون قاضيا، ومن يصلح للنيابة، ومن يكون محاميا.. وقد تم اختيار ثلاثة من التلاميذ كى يكونوا قضاة: الرئيس من الصف الرابع الإعدادى، وقاضى الميمنة من الصف الثالث، وقاضى الميسرة من الصف الثانى.. وقد وقع الاختيار على «حسن» ليكون قاضى ميمنة.. كان القضاة يرتدون وشاحا أخضر اللون، وعليه هلال يحتضن ثلاث نجوم مذهبة. لا يزال «حسن» يحتفظ بصور تذكارية له ولزملائه من القضاة والنيابة والمحامين.. لا يدرى أين هم الآن، وماذا فعلت بهم المقادير، وهل لا يزالون على قيد الحياة. إن «حسن» يجلس مع أولاده وأحفاده ليحكى لهم بشىء من الفخر والاعتزاز تلك التجربة الفذة، ويترحم كثيرا كثيرا على ذلك الرجل المبدع ناظر المدرسة، مصطفى أبوطبل الذى غرس فى نفسه ونفوس زملائه حب العدل.. ولا يزال «حسن» يذكر جيدا كيف شاعت هذه الروح فى المدرسة، وكيف أحب التلاميذ مدرستهم.. لقد توقف الشغب، وما عاد أحد يقفز من فوق السور، أو يتسبب فى كسر أو إتلاف شىء، كبر أم صغر. إن تلاميذ المدارس الذين ينشأون على حب العدل وقيمته وقدسيته- لا يمكن أن يظلموا، أو يسعوا إلى الظلم.. لقد ذاقوا حلاوة العدل وقيمته الكبرى فى حياتهم.. سوف يكون منهم الحاكم، أو المسؤول، أو الشرطى، أو صاحب العمل، أو الأب… إلخ. هل تتطلع أنظارنا إلى إقامة مجتمع قوى، عفى، متحضر؟ هل نريد أن نقضى على الفساد والإفساد الذى يستشرى فى جسد مجتمعنا، كما تسرى النار فى الهشيم؟ هل نريد بشرا أسوياء خالين من العقد النفسية والعصبية، والحقد والبغضاء والكراهية؟ هل نريد مواطنين صالحين محبين وعاشقين لوطنهم ومجتمعهم وعلى استعداد للتضحية فى سبيله بالغالى والنفيس؟ إذا، لماذا لا نعمم هذه التجربة فى مدارسنا، ليتعلم الصغير كيف يكون العدل؟ لن يكون من هؤلاء التلاميذ يوما من يحاصر المحكمة الدستورية العليا أو دار القضاء العالى.. ولن يكون منهم من يجرؤ على اغتيال أو حتى رفع السلاح فى وجه رجل من رجال القضاء.. ولن يكون هناك من يستغل سلطته فى إهانة إنسان أو تعذيب متهم، أيا كان، فالمتهم برىء حتى تثبت إدانته.. ولن تكون هناك محاباة أو استثناءات فى تطبيق القانون، لأن الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين وزير وخفير، أو غنى وفقير، أو ضابط ومواطن.. وإلى أن يتحقق هذا كله، لا بد من اتخاذ كافة الإجراءات التى تعلى من سيادة القانون!. اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/3gog