حليوة أسمر.. عجب للونه.. دهب ومرمر بواسطة محمد حبيب 22 نوفمبر 2015 | 1:50 م كتب محمد حبيب 22 نوفمبر 2015 | 1:50 م النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 0 هذه هى الحلقة (٥) من قصة صاحبنا حسن أمين، «الرومانسى.. والحكيم.. والمغامر»، وتتناول أعظم وأعرق حدث فى حياة مصر والمصريين، أقصد به فيضان النيل الذى كان على مرّ الدهور والعصور عنوانا للخير الوفير لمصر، وعنوانا للخسارة والخطر أيضا.. وقد حظى نهر النيل باهتمام الكثيرين من الشعراء الذين قالوا فيه أعذب القصائد وأجملها.. وكان «حسن» أحد العشاق المتيّمين به، فكثيرا ما كان يقضى جزءا كبيرا من وقته بالقرب منه.. هو لا ينسى رائعة شوقى «النيل نجاشى» والتى غناها عبدالوهاب بصوته الممتلئ عذوبة وشجنا: النيل نجاشى.. حليوة أسمر.. عجب للونه.. دهب ومرمر.. أرغولة فى إيده.. يسبح لسيده.. حياة بلدنا.. يارب ديمه.. كما لا ينسى وهو عائد مع خاله من القاهرة ذات مساء يوم الخميس الأول من شهر يناير فى منتصف الخمسينيات، أن تناهى إلى سمعه صوت كوكب الشرق وهى تشدو بكلمات بيرم التونسى: شمس الأصيل دهبت.. خوص النخيل يا نيل.. تحفة ومتصورة.. فى صفحتك يا جميل.. والناى على الشط غنى.. والقدود بتميل.. على هبوب الهوا.. لما يمر عليل.. يا نيل أنا واللى أحبه.. نشبهك فى صفاك.. لانت ورقّت قلوبنا.. لما رق هواك.. إن الجزء الأكبر من النيل – حوالى ٨٥٪ منه – يصل إلينا عبر النيل الأزرق الذى ينبع من بحيرة تانا فى هضاب إثيوبيا.. وأما الجزء الباقى فيصلنا عبر النيل الأبيض الذى يستقبل مياهه من بحر الجبل الذى ينبع، بدوره من بحيرة فيكتوريا عند الهضبة الاستوائية بأوغندا.. ويلتقى النيلان عند عاصمة السودان المثلثة؛ الخرطوم بحرى، وأم درمان، والخرطوم، ومنها يصيران مجرى واحدا هو نهر النيل الذى ينطلق شمالا، عابرا حدود السودان إلى مصر العليا، فالوسطى، ثم الدلتا التى كانت يوما ما بمنطقة الفيوم.. ومن القاهرة يتفرع النيل إلى فرعيه؛ دمياط ورشيد، وعند هاتين المدينتين وعلى شاطئ البحر المتوسط يختتم رحلته الطويلة.. قبل أن يقام السد العالى، كان فيضان النيل يتدفق إلى مصر حاملا معه كما هائلا من الفتات الصخرى والرمال التى جلبها من هضاب إثيوبيا، كى يلقى بها فى النهاية عند أعماق ضحلة من البحر المتوسط.. وتقوم موجات البحر المندفعة نحو الشاطئ بحمل الرمال وإلقائها على البر، وعند انسحابها وعودتها إلى البحر مرة أخرى تكون قد فقدت جزءا كبيرا من طاقتها فتحمل معها فقط الرمال الخفيفة، تاركة وراءها على البر الرمال الثقيلة التى يغلب عليها اللون الأسود (ومن هنا جاءت تسميتها الرمال السوداء)، والتى تنتشر على شاطئ المتوسط من العريش شرقا حتى السلوم غربا.. وتمثل الرمال السوداء ثروة قومية كبرى، حيث تشتمل فى الأساس على معادن الحديد (الماجنيتايت، والهيماتاتيت، والكرومايت، والألمنايت)، ومعدنى الزيركون والمونازايت (وهما معدنان مشعان)، إضافة إلى معدن الجارنت الذى يستخدم فى أعمال التجليخ لصلابته.. ومع توقف فيضان النيل توقف مجىء هذه النوعية من الرمال، وبالتالى أغلقت شركة الرمال السوداء بالإسكندرية أبوابها فى منتصف الستينيات من القرن الماضى. وبالإضافة للفتات الصخرى والرمال، كان الفيضان يحمل معه كميات ضخمة من الطمى أو ما يعرف بالغرين (سبب سمرته وحمرته) الغنى بالعناصر اللازمة لخصوبة التربة التى كانت تتجدد كل عام، عندما كان النيل يفيض على جانبى واديه وفى الدلتا.. وقد يكون المنسوب عاليا فيؤدى إلى غرق مساحات كبيرة من الأرض الزراعية.. كما كان فيضان النيل يحمل معه عبر رحلته الطويلة الكثير من الكائنات العضوية والأحياء الدقيقة التى تعتبر غذاء شهيا ومطلوبا لأسماك السردين التى كانت تأتى من أعالى البحار خصيصا إلى مصب النهر عند دمياط ورشيد لأجل أن تجد طعامها.. وكانت مراكب الصيد تحمل إلينا أطنانا من أسماك السردين، حيث كان الكيلو منه يباع بقرش ونصف، ويؤكل مشويا أو مملحا.. كانت الأسرة الواحدة تستهلك من ٢ إلى ٣ كجم فى طعام الغداء، وكان هذا يؤدى إلى قلة الإقبال – وبالتالى خفض أسعار – اللحوم الحمراء والبيضاء والخضروات، بل بقية أصناف السمك؛ البورى، والدنيس، والبياض، والبربونى، والبلطى، وغيره.. وفى هذه الفترة من العام كانت رائحة السردين تنتشر فى أجواء دمياط، فأينما ذهبت أو حللت تتغلغل رائحة السردين النافذة إلى رئتيك.. حتى النقود، ورقية كانت أو معدنية، تنبعث منها رائحة السردين. على بعد ٢ كم إلى الجنوب من مدينة دمياط، أقيم على مجرى نهر النيل سد ترابى، تتجمع خلفه مياه الفيضان.. وفى أغسطس من كل عام، كان منسوب المياه يرتفع خلف السد كثيرا إلى الحد الذى يمكنه أن يغرق أراضى القرى التى حوله، فيقوم جهاز الرى بالمدينة بفتح ثغرات فى جسم السد، باتساع بضعة أمتار، فتندفع المياه منها إلى النهر فى مشهد خلاب.. وقد كان الكثيرون من أهل دمياط يحرصون على حضور هذا المشهد، فيأتون فى قوارب ومراكب شراعية ليروا شلالات المياه العذبة البنية اللون وهى تنهمر على مياه النيل المالحة الصافية.. وكان البعض يتبرّكون به ويعتبرونه فألا حسنا، فالنساء اللاتى لا يحملن، والمطلقات اللاتى يردن العودة إلى أزواجهن، والفتيات اللاتى يتمنين الزواج، كل هؤلاء يأتين على أمل أن يتحقق رجاؤهن.. بعد أن أقيم السد العالى بأسوان، لم يعُد هناك فيضان.. أضربت أسماك السردين عن المجىء إلى مصبى النهر عند دمياط ورشيد.. وفقد بذلك أهل المدينتين غذاء شهيا رخيصا للغاية، وفقد المصريون علب السردين التى كانت تباع بأبخس الأثمان.. ليس هذا فقط وإنما حدث ما هو أهم وأخطر، امتنع الغرين عن الوصول إلى محافظات مصر.. وتبعًا لذلك، بدأت الأرض الزراعية منذ ذلك التاريخ تفقد خصوبتها.. وزاد «الطين بلة» عمليات التجريف التى حدثت لها على مدى عقود، علاوة على اقتطاع أجزاء منها والبناء عليها.. لقد احتجز السد العالى كميات هائلة من الطمى أمامه، فى بحيرة ناصر.. وقيل كلام كثير حول الاستفادة بهذا الطمى وذلك بنقله إلى مناطق ومساحات صحراوية يراد استصلاحها واستزراعها، سواء على جانبى وادى النيل أو الدلتا.. لكن شيئا من ذلك لم يحدث.. الآن، أمامنا مشكلة المشكلات، أقصد سد النهضة الإثيوبى وكيف أنه سيضر بحصة مصر فى مياه النيل.. نسمع عن لقاءات واجتماعات ومفاوضات، ولا تقدم يذكر.. لكن الخطير فى الأمر أن بناء السد مستمر غير عابئ بمفاوضات هنا أو هناك، وظروف دولية غاية فى السوء، وأحوال داخلية، الله أعلم بها.. والمصيبة أن التعديات على نهر النيل – بناء وتلويثا – مازالت قائمة ومستمرة.. لقد عاش «حسن» عهود فيضان النيل، وهو اليوم يعيش أسوأ الأيام فى حياة النهر العظيم، وبالتالى فى حياة مصر والمصريين. اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/azap