أيام الصبا بواسطة محمد حبيب 1 نوفمبر 2015 | 1:45 م كتب محمد حبيب 1 نوفمبر 2015 | 1:45 م النشر FacebookTwitterPinterestLinkedinWhatsappTelegramEmail 1 هذه هى الحلقة الثانية من قصة الرومانسى والحكيم والمغامر، وهى تتضمن فى الأساس إلقاء الضوء على سلوك النفس البشرية فى علوها وانخفاضها، فى قمتها وقاعها، فى رقيها وانحطاطها، فى تقدمها وتأخرها، فى نجاحاتها وإخفاقاتها، فى تناقضاتها وبساطتها.. لذا فقد حفلت بكثير من الدروس والعظات والعبر التى يمكن الاستفادة بها اليوم وغدا.. تعالوا بنا نستكمل الحديث عن بطل قصتنا حسن أمين.. بالرغم من ذكاء «حسن»، إلا أنه كان يتصف بقدر من السذاجة، أو لنقل حسن الظن بالآخرين، الأمر الذى كان يجعله عرضة للخداع والاستغلال من قبل بعض زملائه، سواء فى المدرسة أو فى الحى الذى كان يقطن فيه.. مثلا، كان له زميل يدعى مسعود القاضى استطاع أن يدخل فى روعه أن أباه يعمل قاضيا، وأنه ما لم يدفع له إتاوة قدرها بنصف قرش يوميا، فسوف يبلغ أباه ليقوم بسجنه.. وكان «حسن» يستجيب لذلك خوفا(!).. ومن العجيب والغريب أنه لم يحدث أحدا بذلك، لا والده ولا والدته ولا أخواته.. ومن سذاجته أيضا أنه استأجر يوما دراجة لمدة ساعة، وكان ذلك فى فصل الشتاء حيث الأمطار و«الوحلة» التى كانت تتميز بها دمياط آنذاك، ولأنه كان يلبس حذاء جديدا ذا نعل «كريب» ينزلق بسهولة على بدال الدراجة، فقد خلعه وأعطاه لأحد الأطفال الواقفين، رغم عدم معرفته به، ريثما ينتهى من اللعب.. وفى أثناء انهماك «حسن» فى اللعب بالدراجة، انسل الطفل ومعه الحذاء الجديد ومضى دون أن يشعر به «حسن».. وبعد انتهاء مدة الساعة، بحث «حسن» عن الطفل الذى أعطاه حذاءه، فلم يعثر له على أثر.. أسقط فى يد «حسن» وانهمر فى بكاء ونحيب، لكن دون فائدة، واضطر فى نهاية الأمر لمغادرة المكان حافى القدمين.. خطر له ألا يذهب إلى بيته مباشرة خوفا من العقاب، وأن يعرج على بيت خاله، حتى يزعم- كذبا- أن الحذاء الجديد فقد أثناء وجوده عند خاله(!). فى هذه السن الباكرة تاق «حسن» إلى تعلم السباحة، وكانت هناك بقعة على الشاطئ الغربى لنهر النيل- فى مواجهة مبنى المحافظة حاليا- يتميز قاعها بالانحدار الخفيف، ومن ثم كانت تجتذب الأطفال الصغار لتعلم السباحة فيها.. دفع «حسن» حب المغامرة إلى الذهاب إليها مع بعض أقرانه، ودون علم الأهل.. وكما عادة الأطفال فى ذلك الزمان، ترك ملابسه وساعة يده الجديدة التى أهداها إليه خاله على الشاطئ، ونزل إلى الماء.. كان هناك أطفال واقفين يرقبون المشهد.. لم يدر بخلده أن أحدهم سوف يتسلل فى غفلة منه، ومن الآخرين، ويسلبه ساعته.. وعندما أنهى فترة السباحة، خرج من الماء.. وجد الملابس مبعثرة، لكنه لم يجد الساعة.. بكى كثيرا، لكن أصدقاءه أقبلوا عليه يخففون من حزنه، وأن عليه أن يحمد الله تعالى أن اللص لم يأخذ الملابس أيضا، وإلا كانت كارثة.. كان اختلاط «حسن» بأطفال وصبيان الحى شديدا.. فقد كانت تجمعه بهم كرة القدم التى يجيدها، خاصة يومى الخميس والجمعة من كل أسبوع، فضلا عن الجلسات التى كانوا يعقدونها على الرصيف، حيث يتناولون حكايات السندباد، وخاتم سليمان، وعلاء الدين والمصباح السحرى، و«أمنا الغولة»، وغيرها.. ولم يكن «حسن» ينسى تلك الأفلام التى شاعت فى ذلك الزمان، كأفلام على الكسار، ونجيب الريحانى، ويوسف وهبى، وزكى طليمات، ومحمد الكحلاوى، وإسماعيل يس، وغيرهم.. ولا شك أن تلك الأفلام ألهبت خياله ولعبت دورا فى تشكيل وعيه وثقافته.. وعلى الرغم من صغر سنه، كان «حسن» شديد الاعتداد بنفسه، يثور ويغضب إذا شعر أن كرامته أهينت أو نال منها أحد.. وقد أدخله ذلك فى شجار ومعارك مع بعض أقرانه.. ولم يكن يخرج من معاركه منتصرا، بل كان يناله فى الغالب الأعم قسطا لا بأس به من الضرب.. لقد كانت عصبيته فى تلك اللحظات تفقده السيطرة على قواه أثناء المواجهة أو الاشتباك مع الآخرين.. لذلك، قرر أن يتحلى بالهدوء وأن يدرب نفسه على كبح جماح أعصابه من الانفلات من ناحية، وأن يأخذ دروسا فى الملاكمة من ناحية أخرى، حيث إن بعض المواجهات لم تكن مقتصرة على المناوشة بالكلام فقط، كما يفعل الإنجليز، وإنما كانت تتطلب اشتباكا بالأيدى وتلاحما بالأجساد.. وقد أفاده ذلك كثيرا، إذ إنه دخل فى معركة يوما مع بعض الصبيان فى الحى، فاختار أكثرهم ضخامة و«جعجعة»، حتى يكون مثلا وعبرة لمن هم أقل منه.. وحينما اقترب منه هذا الضخم عاجله «حسن» بعدة لكمات سريعة وقوية ومركزة، لدرجة أفقدته توازنه وأسقطته على الأرض.. بعد ذلك، دان صبيان الحى لـ«حسن» بالتوقير والاحترام.. هذا إذا هو منطق التفاهم عند الصبيان(!!) كان «حسن»- بدرجة ما- مشاغبا، وهو ما كان يوقعه فى مشكلات صعبة.. ففى الصف الرابع الابتدائى وأثناء إحدى الحصص، كتب على ورقة صغيرة بعض الألفاظ الخادشة للحياء يتهكم فيها على أحد أصدقائه، ثم سلمها إياه، فما كان من الصديق إلا أن قام من فوره بإعطاء الورقة لمدرس الفصل.. وما إن نظر الأخير إلى ما فى الورقة حتى استشاط غضبا، وسأل الصديق: من كتب هذا؟ فأشار الصديق إلى «حسن».. نظر إليه المدرس شذرا، ثم قال: هل تتعلمون هنا الأخلاق، أم قلة الأدب؟ ونادى على أحد العاملين بالمدرسة وأمره بأن يقوم بتوصيل «جسم الجريمة» إلى الناظر(!) لم يتصور «حسن» أن الأمور سوف تتطور بهذه السرعة وتأخذ هذا المنحى، وأن الصديق سوف يبدو بهذه «الخفة»، فعادة ما يحدث بين الصبيان ما هو أكثر من ذلك، فكيف سولت للصديق نفسه أن يخرج بهذه «المداعبة» عن سياقها المعتاد؟! وما هى إلا ثوان معدودات، حتى وقف «حسن» وهو يرتجف وجها لوجه أمام الناظر الشرس الذى كانت ترتعد منه الفرائص لمجرد ذكر اسمه.. نظر الأخير إليه باشمئزاز وتأفف، وتفرس فيه مليا صعودا وهبوطا والشرر يتطاير من عينيه.. بعدها أمر «سعفان»- رئيس الفراشين بالمدرسة – بأن يرفعه ويضعه على «كرشه» الضخم، ثم تناول خيزرانته العتيدة وانهال بها ضربا على كل أنحاء جسد «حسن» مصحوبا بسيل من الشتائم والسباب، و«حسن» تتعالى صرخاته وتأوهاته من شدة الألم.. رغم كل ما سبق، كان «حسن» شديد التدين، فهو يخف سريعا إلى المسجد لحظة سماعه للأذان، كى يؤدى صلاة الفريضة فى جماعة.. وكثيرا ما كان يشارك فى تنظيف حصير المسجد مع أقرانه.. يطرب حين سماعه للقرآن، وكثيرا ما كان يرتقى المنبر، بعد خروج المصلين وخلو المسجد، ويمسك بالسيف الخشبى الذى كان ملازما للخطباء آنذاك، ويلوح به فى الهواء متصورا نفسه يخطب فى جمع من المصلين.. لقد كان حسن على درجة من الوسامة، فضلا عن أن مظهره كان أنيقا، إذ كان يهتم بهندامه، الأمر الذى كان يغرى فتيات الحى المراهقات بالتودد إليه ومحاولة الاحتكاك به لأى سبب.. وفى يوم من الأيام كان البيت خاليا إلا منه، وفوجئ بمجموعة من هؤلاء الفتيات يصعدن إليه.. حاولن أن يتحدثن معه، ويسألنه عما يفعله العريس والعروس المتزوجان.. لكن «حسن» كان غير واع لما يقال ولم يكن مدركا لما يهدفن إليه، حيث لم يكن قد بلغ بعد.. لذا، بدا جافا جامدا، وفشلت المحاولة(!). اللينك المختصرللمقال: https://amwalalghad.com/z47w