«سلاسل الإمداد» تحكم قبضتها !

يعاني أغلب سكان العالم حالياً من موجة ارتفاع مستمرة في أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي دفع لتراجع الدخل الحقيقي للفرد في أغلب دول العالم، ويعبر الدخل الحقيقي عن القوة الشرائية للدخل النقدي، أو ما يمكن أن يحصل عليه الفرد من سلع وخدمات مقابل دخله النقدي.

وما بين من يتوقع انكسار موجة ارتفاع الأسعار العالمية الحالية في غضون شهور وبين من يتوقع أنها قد تمتد لمنتصف العام القادم 2022، يقول الواقع الاقتصادي شيئاً آخر تمامًا.

حيث تشير المؤشرات الاقتصادية المؤكدة الصادرة عن المنظمات الدولية المعنية بقياسات الأسعار العالمية أن الاقتصاد العالمي دخل إلى ما يطلق عليه مصطلح «الدورة الفائقة»، وتعني ظاهرة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع لمدة قد تتطور إلى عدة أعوام!

ولاحظت أغلب المؤسسات الدولية وجود هذه الظاهرة مع نهاية العام الماضي، وتحديداً مع بدء تعافي الاقتصاد العالمي من جائحة كورونا.

وشهد العالم 4 دورات فائقة للسلع الأساسية سابقاً، تزامنت الأولى مع ظهور الولايات المتحدة كقوة اقتصادية فى ثمانينات القرن الـ19، وأخرى رافقت إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية والتي دمرت فيها القارة الأوروبية، والدورة الفائقة الثالثة من خلال صدمات أسعار النفط فى السبعينيات، كما حدثت الدورة الرابعة في أوائل العقد الأول من القرن الحالي في الصين أثناء التصنيع السريع وتنمية البنية التحتية لها، وتعد الدورة الحالية هي الدورة الفائقة الخامسة التي تشهدها أسعار السلع العالمية.

وساهم بقوة في ظهور هذه الدورة الفائقة عدة عوامل أولها السياسات النقدية التيسيرية التي اتبعتها الحكومات المختلفة في محاولة لتقويض آثار جائحة كورونا ودعم الطلب الكلي في النصف الأول من 2020.

فضلاً عن انتعاش الطلب على النفط مرة أخرى إلى أكثر من 100 مليون برميل يومياً مما أدى إلى ارتفاع أسعاره بشكل تصاعدي، ووصلت معدلات زيادته إلى 230% منذ انهيارها التاريخي في مارس وأبريل 2020.

جاء إلى جانب هذين العاملين تأثرت هياكل الإنتاج في مختلف دول العالم بجائحة كورونا والسياسات التي طبقتها المصانع الكبرى لتخفيض أعداد العمالة في الدوريات الإنتاجية وتخفيض الإنتاج من أجل تصريف المخزون نظراً لتخوفهم من توقف حركة التجارة مرة أخرى بفعل الجائحة.

ودفعت كل هذه التطورات لظهور المشكلة الرئيسية التي أدت لارتفاع أسعار السلع العالمية حالياً وهي مشكلة «سلاسل الإمداد».

والسؤال هنا ما هي سلاسل الإمداد؟

ببساطة هي الشبكة التي تربط بين كافة الأطراف، التي تتعامل معها شركة ما لإيصال منتجها إلى المستهلك النهائي، حيث تتضمن الموردين لكافة المكونات التي تحتاجها الشركة والجهات المسؤولة عن تسويق وبيع المنتج.

وتضم هذه السلاسل أيضاً الأيدي العاملة والأراضي الزراعية والمصانع والطرق والنقل والطاقة والممرات البرية والبحرية والجوية.. إلخ، أي كل ما يبدأ من عنده الإعداد لإنتاج السلعة حتى تصل إلى المستهلك النهائي.

وظهرت هذه الأزمة بداية من العام الماضي، نتيجة ارتفاع أسعار المدخلات الرئيسية فضلاً عن تعافي الطلب العالمي مع عدم قدرة الموردين على تلبية الزيادات في طلبيات الشركات والمصانع المختلفة، الأمر الذي دفع في النهاية لنقص المعروض الكلي، في مقابل زيادة الطلب مما أنتج لنا تضخم عالمي يسير بخطى سريعة.

وهنا هل ينتقل التضخم في أسعار السلع والخدمات إلى كل دول العالم؟

الإجابة؛ بالطبع نعم، لأن سلاسل التوريد التي تتسبب في التضخم العالمي أصبحت دائرة متصلة على مستوى العالم، باعتبارها أحد مظاهر عولمة عملية الإنتاج، والتي تم تطبيقها منذ عشرات السنوات، للاستفادة من قانون الميزة النسبية الذي وضعه المفكر الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو، والذي يقوم على فكرة تخصص كل دولة في انتاج سلعة معينة سواء كانت سلعة وسيطة أو نهائية بحكم تميزها في إنتاج هذه السلعة وقدرتها على إنتاجها بتكاليف أقل نسبياً من غيرها، وتنتقل السلعة الوسيطة أو النهائية من دولة لدولة عن طريق التجارة.

ومع حركة التجارة تنتقل آثار الأسعار، وهو ما شهدته مصر على مدار الفترة الماضية حيث ارتفعت أسعار أغلب السلع والخدمات بشكل متواصل على مدار الشهور الماضية، وهو ما عبر عنه معدل التضخم العام الذي كشف عنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حيث أعلن زيادته على أساس سنوي ليسجل (7.3%) لشهر اكتوبر 2021 مقابل (4.6%) لنفس الشهـر من العام السابق.

وسجل التضخم العام (118.0) نقطة لشهر أكتوبر 2021، مسجلاً بذلك ارتفاعًا قدره (1.7%) عن شهر سبتمبر 2021.

وأرجع الجهاز أسباب هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار مجموعة اللحوم والدواجن بنسبة (6.6%)، ومجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة (3.3%)، ومجموعة الأسماك والمأكولات البحرية بنسبة (1.9%).

وشهدت أغلب القطاعات السلعية في مصر زيادات ملحوظة في أسعارها خلال الفترة الماضية، يتقدمها قطاع السلع الغذائية الذي ارتفعت أغلب بنوده السلعية الفترة الماضية نتيجة تطور الطلب مع محدودية العرض.

وتأثر القطاع الغذائي في مصر من تطورات أسعار الغذاء على المستوى العالمي حيث أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت للشهر الثالث على التوالي، حيث بلغ متوسط مؤشر فاو لأسعار الغذاء، الذي يقيس الأسعار العالمية لأكثر المواد الغذائية تداولاً في الأسواق العالمية 133.2 نقطة في أكتوبر، مقابل قراءة معدلة عند 129.2 نقطة في سبتمبر، وذلك يعد أعلى مستوى للمؤشر منذ يوليو 2011.

كما ارتفع مؤشر «فاو» لأسعار الحبوب 3.2% في أكتوبر على أساس شهري، وأضافت المنظمة أن أسعار الزيوت النباتية قفزت بنسبة 9.6% خلال أكتوبر مسجلة مستوى قياسياً، وذلك بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار العالمية للقمح بنسبة 5% وسط انحسار الكميات المتاحة عالميًا بسبب انخفاض المحاصيل لدى الدول المصدرة الرئيسية، بما فيها الاتحاد الروسي، كندا، والولايات المتحدة الأمريكية.

ويمتد الأثر ليصل إلى السلع المعمرة في مصر وخاصة الأجهزة الكهربائية التي تعتمد على استيراد الخامات الأساسية من الخارج مثل الصاج والاستانلس والبلاستيك، حيث يتم استيراد نحو 40% من المكونات من الخارج، فضلًا عن خامات وأجزاء متعددة يعاني أكبر منتج لها وهو الصين من خفض طاقات مصانعه في ظل النقص الشديد في الطاقة.

وتتواصل دفة ارتفاع الأسعار لتضم مواد البناء وبالتبعية القطاع العقاري، الذي يتوقع أن تشهد أسعاره طفرة ملحوظة مع نهاية الربع الأول من 2022 وتحديداً مع بدء تسعير الوحدات الجديدة المجهزة للموسم الصيفي القادم.

كذلك الأمر بالنسبة للسيارات التي انتقلت زيادات أسعارها عالمياً إلى السوق المصري سواء لدى الوكلاء الرسميين الذين حركوا أسعار السيارات بنسب وصلت إلى 10% خلال الشهور الماضية، أو في المعارض التي تحركت فيها الأسعار بنسب تخطت 20% وفق الظاهرة المعروفة في سوق السيارات بـ «الأوفر برايس».

والخلاصة أن أزمة الأسعار الحالية التي يمر بها العالم لن تنتهي قريباً لأن مسبباتها تتسم بقدرة عالية على الاستمرار لشهور طويلة، وبالتالي سيحاول التجار في مختلف أنحاء العالم مواصلة جني الأرباح عن طريق تطبيق زيادات سعرية تتضمن الزيادات الحقيقية في التكاليف، وهوامش إضافية للأرباح.

وهنا ينبغي على الجميع أن يتنبه لهذا الأمر ويبدأ في اتخاذ الحذر الشديد فيما يتعلق باقتناء السلع وأسلوب الإنفاق على مختلف البنود، وأن يبدأ الأفراد والمؤسسات خلال الشهور الحالية في تجنيب مدخرات أو احتياطيات نقدية تدعمهم في تلبية احتياجاتهم المستقبلية من السلع والخدمات في حالة مواصلة الارتفاع الحالي في الأسعار مع عدم صعود الدخول النقدية بمستويات مشابهة.

الأمر ذاته ينطبق على الدول التي ينبغي أن تتوقف عن السياسات النقدية التيسيرية وتتبع سياسات نقدية متوازنة  أو تميل للانكماش حتى تستوعب الزيادات المتوقعة في التضخم خلال الشهور المقبلة.

كذلك فيما يتعلق ببنود الانفاق الحكومية، ينبغي أن تتبع الحكومة سياسة حذرة فيما يتعلق ببرامج الانفاق المستقبلية، وأن تتأكد من توافر رصيد كافي من السلع الاستراتيجية، وموارد نقد أجنبية قادرة على استيراد احتياجاتها لأطول فترة ممكنة.

وأتوقع أن تستمر هذه الأزمة مبدئياً حتى بداية الربع الثالث من عام 2022، على أن تبدأ السلع المعمرة في تسجيل تراجعات محدودة في أسعارها مع تشبع الأسواق من الزيادات المتوقعة في إنتاج أغلب الشركات التي ستستثمر زيادات الأسعار الحالية وزيادة الطلب في تحقيق أرباح عالية عن طريق زيادة الإنتاج.

بينما ستحافظ السلع الغذائية عند مستويات أسعار مرتفعة نسبياً لأطول فترة ممكنة خاصة في ظل العوامل المناخية غير المستقرة من فيضانات وجفاف وحرائق منتشرة في الغابات ومجاعات في بعض بلدان أفريقيا، الأمر الذي يدعم بقاء الفجوة متسعة بين العرض والطلب حتى النصف الثاني من 2022، ويدعم منتجي السلع الغذائية في عدم تخفيض أسعارها.

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض