الإمارات .. 50 عاماً كسرت المستحيل !

في 2 ديسمبر 2021، تكون قد مرت 50 عاماً كاملةً على تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أسسها الرمز العربي الراحل؛ الشيخ زايد، رحمه الله، وكون من خلالها تجربة عربية رائدة نفخر بها جميعاً.

فتأسيس الإمارات العربية وصعودها كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية أمر يدعو للفخر من كل العرب، ويقاوم الفكرة التي أراد أن يرسخها الغرب في عقول كل العالم عن الشعوب العربية، بأنها شعوب لا تجيد سوى الرعي في الصحراء، والمهام البدائية.

فاليوم تمكنت الإمارات في وقت قياسي أن تقدم نفسها أمام العالم، كمركز إقليمي وعالمي للتجارة والسياحة والتسوق والخدمات، واستطاعت أن تصعد بمؤشراتها الاقتصادية بشكل شامل، بعد أن ارتفع متوسط نصيب الفرد في الإمارات العربية من الدخل القومي إلى أكثر من 70 ألف دولار سنوياً دخلت بها قائمة أكبر 10 دول من حيث متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي.

واستطاعت أن تحقق معدلات نمو قوية في الناتج المحلي الإجمالي، وأن تحدث تنوعاً متميزاً في مصادر الدخل القومي، حتى تبتعد عن تركز مصادر النمو في النفط الذي يتسلم بالتقليدية والتقلبات المفاجئة، واستطاعت الإمارات أن تحقق هذا الهدف بامتياز بعد أن وصلت نسبة المصادر غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 70%.

تمكنت الإمارات كذلك من الصعود كقوة عالمية رائدة في التجارة تجاوز حجم تجارتها 400 مليار دولار سنوياً، وهو رقم قياسي قد يتجاوز دول كثيرة بدأت نهضتها الاقتصادية قبل الإمارات بعشرات السنوات.

البحث العلمي، التعليم، الابتكار، إطلاق الحريات، والحوكمة، تلك كانت القومات الرئيسية الخمسة التي استندت عليها الإمارات العربية المتحدة في بناء تجربتها الاقتصادية الرائدة التي أبهرت العالم على مدار العقدين الماضيين، وتصدرهم من خلالهم الكثير من المؤشرات الدولية التي تقيس تنافسية الأعمال، وبيئة الاستثمار، ومناخ الابتكار والتطور في الاقتصاديات المختلفة.

فعلى مستوى البحث العلمي تنفق الإمارات العربية أكثر من 1.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث العلمي، وهو ما يناظر قيمة مالية عالية للغاية، نتيجة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، وهذا الانفاق الضخم يساهم بشكل دائم في تعزيز تنافسية الإمارات في الصناعة والتكنولوجيا، ويضعها ضمن الدول التي تحتل الصفوف الأول في التطور العلمي والتكنولوجي السريع.

وعلى مستوى التعليم، فقد تمكنت قيادة الإمارات من تطوير نظامها التعليمي بشكل كبير، وأدخلت أحدث التكنولوجيات المتاحة عالمياً لنظامها التعليمي، وحدثت بشكل كامل من المناهج وطبيعتها وربطتها بشكل أكبر باحتياجات سوق العمل، لتتواكب مع متطلبات السوق العالمي في العصر الحديث الذي يقوم على بناء شخصيات الطلاب وتعزيز سمات البحث والابتكار والمغامرة لديهم.

أما على مستوى الابتكار، فنجد أن الإمارات نجحت بشكل كامل في توفير بيئة مناسبة للابتكار ونمو مشروعات ريادة الأعمال والشركات الناشئة، خاصة بعدما أتاحت تشريعاتها تسهيلات غير مسبوقة لرواد الأعمال، وتمكنت مصارفها وصناديقها المالية من اتاحة تمويلات ميسرة للغاية لهؤلاء المبتكرين، وساهمت هذه الجهود في تعدد محاولات الابتكار، وبالتالي انتشار الشركات الناشئة بها، وارتفاع نسب النجاح بينها، الأمر الذي مكن الإمارات من أن تكون واحدة من أهم القوى في الشرق الأوسط التي تتمتع بنمو مطرد في الشركات الناشئة والمشروعات الريادية الناجحة التي تملك فرص مثالية للتطور والانطلاق العالمي مستقبلاً.

وعلى مستوى إطلاق الحريات الاقتصادية، تمكنت الإمارات من تنفيذ تجربة رائدة في تمكين القطاع الخاص، وتعزيز دوره في الاقتصاد، وإطلاق حرياته الكاملة في العمل والاستثمار والتوظيف والبيع، الأمر الذي دفع الإمارات لتكون أهم قوة عربية في آخر عقدين في مؤشرات مناخ الأعمال وبيئة عمل القطاع الخاص.

وتمكنت الإمارات استناداً لهذه المزايا الكبرى من أن تجذب الشركات العالمية متعددة الجنسيات إليها، وتستقبل عشرات المليارات من الدولارات كاستثمارات مباشرة في وقت قياسي للغاية، الأمر الذي عزز من قوة الاقتصاد الاماراتي ومنحه دفعة كبيرة على مستوى النمو الاقتصادي وتوفير وظائف العمل المنتجة والمجزية للعاملين، وكذلك استيراد العديد من التقنيات التكنولوجية المتطورة التي جاءت بها الشركات العالمية إلى الإمارات.

وأخيراً على مستوى الحوكمة، نجد أن هذا العامل يعد أحد أهم العوامل الرئيسية في بناء تجربة الإمارات، حيث تمكنت الإمارات من بناء نظام إداري متطور للغاية يتسم بالحوكمة والشفافية، حيث كانت التشريعات والقوانين واضحة للغاية، واللوائح والإجراءات تتسق مع القوانين وتصب في خدمة الأهداف المشتركة للدولة والخاضعين لهذه اللوائح، بينما كانت السياسات تتسم بالفاعلية والاستقرار، الأمر الذي مكن الشركات المستثمرة في الإمارات من بناء استراتيجيات طويلة المدى لاستثماراتها هناك، دون أن تتخوف من أي تغيرات مفاجئة في التشريعات، أو أي قرارات غير متوقعة في اللوائح، أو أي سياسات اقتصادية لا تخدم مصالح الجميع، وكان ذلك هو العامل الرئيسي الداعم للانطلاقة الكبرى التي حققتها الامارات العربية في مناخ وبيئة الاستثمار ومكنتها من تحقيق نتائج أعمال قوية لفترات زمنية طويلة، دون أن تهتز أو تتأثر بكل الأزمات العالمية والإقليمية التي شهدناها خلال السنوات الماضية.

هذه العوامل تلخص الفلسفة المتميزة التي وضعها الشيخ زايد، رحمه الله، والتي نقلها لأبنائه، ومن خلفوه في الحكم، والتي تسير عليها الإمارات العربية حتى اليوم، وأتوقع أن تستمر في السير عليها إلى الأبد.

فهذا القائد الملهم قدم للعالم نموذجاً للشخصية الوطنية المحبة لبلادها، والقائد الرشيد في قراراته، والإنسان الراقي الذي يحترم الثقافات ويعتز بانتمائه العربي.

فالشيخ زايد رحمه الله، يعد أحد أهم الشخصيات الريادية في المنطقة العربية ككل في التاريخ الحديث، وأحد الذين صعدت على اكتافهم مفاهيم القومية العربية، والترابط الثقافي، والانتماء العربي المشترك.

وفي مصر يمتلك الشيخ زايد قلوب المصريين بإسهاماته المتعددة في دعم الدولة، ومواقفه التي لن ينساها له المصريون ولأبنائه وأحفاده أبد الدهر، فهو الذي قال “لن يكون النفط العربي أغلى من الدم العربي”، عندما قاد الدول العربية لقطع امدادات البترول عن الدول المعادية لمصر في حرب 1973، التي انتصرت فيها مصر لنفسها وللعرب ككل، ووضعت حداً لزحف الكيان الصهيوني الذي هدد جميع أوطاننا العربية آنذاك.

وهو أيضاً الذي تردد علي مصر كثيراً وكان يحبها ويحب شعبها، وشيد باسمه واحدة من أهم المدن المصرية الحديثة التي تحمل أسمه في مصر وترسخ لذكراه بين المصريين وهي مدينة الشيخ زايد، التي تأسست بدعم من الإمارات المتحدة الشقيقة وبمنحه من صندوق أبوظبي للتنمية عام 1995.

وفي المقابل كانت مصر من أوائل الدول التي دعمت قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، وسارعت للاعتراف به فور إعلانه ودعمته دوليا وإقليميا كركيزة للأمن والاستقرار، وإضافة جديدة لقوة العرب.

وتمتد المواقف الإنسانية التي تجمع مصر بالإمارات، وتدعم من العلاقات التاريخية المشتركة بين البلدين، حيث استطاع الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يعزز من علاقات التعاون الاستراتيجية مع الإمارات المتحدة خلال السنوات الماضية لمستويات غير مسبوقة، وأن يبني شراكة دائمة مع قيادتها تقوم على مبدأ وحدة الهدف وحماية المصالح المشتركة للدولتين، وتعزيز الروابط الثقافية التاريخية بين الشعبين الشقيقين.

وتشكلت هذه الشراكة في توقيت صعب في تاريخ مصر الحديث، واجهت فيه ظروف صعبة داخليا وخارجيا، إلى أن وصلت الى “بر الأمان”، وسط رهانات بأن تشكل العلاقة بين الدولتين مفتاح حل للعديد من الملفات الإقليمية والعربية وفي مواجهة العديد من التحديات التي تواجه المنطقة، وذلك انطلاقا من ثوابت استراتيجية موحدة تشير إلى مدى التفاهم وتطابق الرؤى بين الدولتين في مختلف المستجدات والقضايا.

ودعم ذلك تطابق المواقف السياسية للبلدين تجاه قضايا المنطقة الرئيسية انطلاقا من مجموعة من الثوابت أبرزها الحفاظ على مقدرات الشعوب والأمن والاستقرار في المنطقة والوصول لحلول سلمية للنزاعات، مما شكل نجاحا بحكمة قيادة الدولتين في تجنيب المنطقة من العديد من المحطات الصعبة التي كان من شأنها أن تذهب بالمنطقة إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

ومما لاشك فيه ، أن هذه العلاقة ستمنحنا الكثير من المعطيات الايجابية في المستقبل، على كافة المستويات وسط سعي الدولتين لتعزيز نموهما الاقتصادي والاستراتيجي والتحول الذي تشهده مصر بشكل رئيسي ، وفي إطار الجهود الحثيثة التي تقوم بها الدولة المصرية تحت قيادة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية لتطوير العلاقات بين مصر ومحيطها العربي والأفريقي، وسعي الدولة الدائم لتحقيق التعاون الثنائي والتكامل الاقتصادي ودعم وتنشيط التجارة البينية من أجل خلق حياة كريمة لشعوب المنطقة.

حفظ الله مصر والإمارات شعباً وقيادة .

 

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض