edita 350

دينا عبد الفتاح تكتب: الوعي الجمعي..وتحقيق التنمية

لا شك أن الدولة المصرية شهدت تحولات جذرية خلال السنوات الماضية على المستوى الاقتصادي وحققت نجاحات استثنائية في ظروف صعبة شكلتها تحديات على المستويين المحلي والدولي، ولازالت تلك التحديات تتعاظم في ظل تداعيات جائحة فيروس كورونا التي تسببت في اضطراب كافة دول العالم على كافة المستويات وأعادت التفكير لكثيرين فيما يجب أن يكون وما يلزم لمستقبل محفوف بالمشاكل وأيضا المخاطر.

وأثبتت الدولة صمودها في مواجهة هذه التحديات خلال الفترة الماضية، بل وتمكنت من تحقيق أفضل نمو اقتصادي مقارنة بدول العالم رغم جائحة كورونا، والأرقام المعلنة من قبل المؤسسات العالمية تؤكد ذلك، وذلك بفضل المشروعات العملاقة التي تم تنفيذها والتي كان لها أثر بالغ على الاقتصاد المصري والمجهود المبذول من جانب الدولة المصرية في تنفيذ هذه المشروعات وهو مجهود غير طبيعي.

وضخت مصر خلال الـ 4 أعوام الماضية استثمارات كبيرة من خلال التوسع في إنشاء الطرق والكباري والمدن الجديدة، وأيضا المناطق الصناعية الواعدة، وهو ما ساهم وسيساهم في زيادة معدلات النمو ، وتحسين مؤشرات التنمية المستدامة في كافة المجالات، كما تسهم هذه الاستثمارات في تهيئة البنية التحتية اللازمة لتشجيع استثمارات القطاع الخاص المصري والأجنبي وأيضا زيادة الصادرات.

وهو ما يعني أن كافة المؤشرات والتوقعات إيجابية نحو المستقبل القريب للأجيال المقبلة ولكن هل اكتملت دائرة صناعة تجربة صعود متكاملة؟.

الإجابة لن تكون بنعم أو لا، لأنها ستكون إجابة بديهية تعتمد على حقائق تشير إلى أنه لا يوجد كمال في مجهود بشري وإنما أسباب ومقدمات تؤدي إلى نتائج، ودراسة للموقف من حين لأخر للوقوف على المميزات وزيادتها والمشكلات لحلها، في ظل تكالب عالمي على جذب الاستثمارات وزيادة معدلات النمو في ظل واقع صعب فرضته الجائحة أو بمعنى أدق كشفت عنه.

ومن وجهة نظر تحليلية أجد أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب لسد أكبر فجوة في هذه الدائرة وهي “ثقافة الشعب”، وأقصد هنا درجة وعيه بالمسائل المتعلقة بالاقتصاد المصري وسياسات الدولة المرتبطة بالأبعاد السياسية والاجتماعية، والممارسة السليمة المتعلقة بالاستهلاك والتعاملات المالية، ومدى المعرفة بالخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها الدولة سواء كانت حكومة أو قطاع خاص، إلى ذلك الاتصال والتواصل بالمسائل المتعلقة بالعملية التعليمية وأيضا القطاع الصحي.

وهذه نقاط تعيها الدولة والقيادة السياسية وتضعها أمام أعينها، بإعتبارها تحدي كبير يجب التعامل معه بدقة أيضا وصبر، فهي مسائل ليست كغيرها وليست أيضا قرار سيتخذ، بل خطة متكاملة تنفذ على مدى سنوات حتى يكتمل البناء السليم لثقافة شعب نال منها اليأس والاحباط لسنوات طويلة، وعدم ثقة ولامبالاة شكلتها دعوات داخلية وخارجية تحت نظريات “لن نتغير” و”مافيش فائدة” .

وإلا كيف نبرر زيارات الرئيس السيسي بنفسه لمواقع العمل أسبوعياً، لمتابعة ما يحدث من مشروعات في كافة أنحاء الجمهورية للإطلاع على عمليات تنفيذ المشروعات وتوقيتات التسليم، والتحدث للعاملين، لتغيير ثقافة العمل لدى قطاع هام وحيوي معني بالتشييد والبناء والتنمية بشكل مباشر، وقد نجح ذلك بشكل كبير في تغيير أنماط العمل حتى أننا نجد لافتات على مداخل المشروعات تشير إلى التوقيت الزمني القياسي الذي نفذ فيه المشروع.

ويقول المثل الصيني الشهير “الثقافة هي روح الشعب، وروح الدولة تصبها الثقافة”

ويعد التاريخ أكبر دليل على مدى الدور الكبير التي لعبته ثقافة الشعوب في النمو الاقتصادي للدول الكبري كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان والصين كما أن ظهور عصر النهضة الأوروبية في القرن 14 قد كان من خلال الوعي الجمعي والثقافي الذي ساد حول الابتكارات الجديدة وانحلال الإقطاع، وانتعاش التجارة.

وفي الدولة المصرية في هذا التوقيت يجب أن لا نخسر ما نفعله حالياً من ثورة تشغيل وعمل، بالتباطؤ في إحداث ثورة اجتماعية على كافة المستويات تستهدف في بداياتها فئات محددة أو حتى أجيال جديدة بمفاهيم مختلفة تساعد على تطوير وتحسين الهيكل الاقتصادي وأيضا الصناعي وتحفيز وترقية هيكل الاستهلاك، وتوسيع فرص العمل وروح المبادرة، ويساهم في تنمية المدن على مستوى الجمهورية.

وقد يتم ذلك عن طريق العمل على عدد من المفاهيم والثقافات في مقدمتها ثقافة الاستهلاك التي مازالت متفشية في مصر وتصب لصالح الاستهلاك الكبير حتى وإن كان الدخل محدوداً والسير بمنطق «اصرف ما في الجيب يأتي ما في الغيب»، وغياب مفهوم الادخار لتأمين المستقبل أو على الأقل المخاطر الرئيسية التي قد تحدث فيه.

وهذه الثقافة تؤدى إلى ارتفاع نسبة الفاقد في السلع بشكل كبير، واستهلاك سلع وخدمات تفوق الحاجة الحقيقية لها وإهدار جانب كبير من دخول الأفراد كان يمكن ادخاره وتحويله بسهولة إلى الاستثمار والإنتاج.

كما أننا في حاجة حقيقية لإعادة ضبط عادات الاستهلاك على مستوى مدى الانعكاس على البيئة، وعادات ومواصفات التصنيع كذلك، فلم يُعد هناك أحد ببعيد عن المخاطر البيئية التي ترتب علي التلوث على مدار السنوات الماضية، ولاحظنا جميعاً ظاهرة تغير المناخ والارتفاع التاريخي وغير المسبوق في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بفعل تصاعد الكربون الناتج عن الممارسات البيئية السلبية والعوادم وغيرها، وكيف فقدت المحيطات والبحار الثروة السمكية بها؟، وكيف تراجعت خصوبة الأراضي الزراعية بشكل كبير، كل هذه المشاكل وغيرها يقف ورائها مفوه واحد فقد وهو التلوث البيئي.

ويكمن بذلك الحل في التوسع بأنشطة الاقتصاد الأخضر وتحفيز الدولة للاستثمار بالقطاعات الاقتصادية صديقة البيئة التي لا تولد أثراً بيئياً سلبياً، وبدأنا في مصر بالفعل تطبيق هذه المفاهيم، خاصة مع تطبيق استراتيجية السيارات الكهربائية والتوسع في استخدام الغاز الطبيعي على مولدات القوة الأخرى،  ولكن ينقص أن تصبح هذه المفاهيم بمثابة ثقافة شعب، وأن يحافظ الشخص بنفسه على البيئة الخارجية لأنه جزء من العالم الذي سيتضرر حال الإهمال في المحافظة عليها.

علينا كذلك أن ننتبه إلى أمر في غاية الأهمية وهو التغيرات الكبيرة التي تشهدها أسواق العمل والاستثمار خاصة في هذا العقد الكبير الذي شهد تحولاً شبه كاملاً للأنشطة التي تعتمد علي التكنولوجيا وريادة الأعمال والأفكار الجديدة التي تيسر مسألة التواصل بين مقدمي الخدمات والمستفيدين منها.

حيث أصبح هذا النوع من الاستثمار هو الأكثر انتشاراً حول العالم والأكثر انتاجاً للأثرياء، وذلك بسبب عدد من العوامل أهمها أن مشروعات ريادة الأعمال تتميز بانخفاض تكاليفها الاستثمارية، وأنها تمتلك قدرات فائقة علي النمو والتوسع، ويعتبر الإنسان رأس المال الأساسي فيها إلى جانب معرفته التكنولوجية ومعرفته الجيدة بعالم الأعمال.

وهنا أصبحنا جميعاً مطالبين بتعليم أبنائنا هذه الثقافة وأن نوجههم لابتكار الأفكار الجديدة والقدرة على اتخاذ خطوة المخاطرة والتنفيذ والتجربة وتصويب الخطأ حتى النجاح وتحقيق الهدف في التوسع والتطور والانتشار.

وهنا لابد أن يلعب الإعلام بصوره ومؤسساته المختلفة دوراً محورياً في بناء هذه الثقافات وتعزيز انتشارها بين جموع المواطنين، كذلك الأمر بالنسبة للمؤسسات التعليمية التي تعد الصف الثاني بعد الأسرة في تشكيل ثقافة النشئ والأطفال.

وبالتالي لابد أن تمارس هذه المؤسسات دوراً محورياً في تشكيل الثقافات الجديدة التي تخدم مفاهيم التنمية وتتوافق مع متغيرات المستقبل الجديد الذي أقبلنا عليه جميعاً والذي يحكمه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعلومات الضخمة وتحليل الاحتياجات وصولاً إلى أفضل أنواع وأشكال الاستثمار.

ويمكن أيضاً تطوير هذه الثقافات وترسيخها من خلال وسائل غير تقليدية مثل البرامج والمسلسلات والأفلام وغيرها، وشاهدنا جميعاً تأثير هذه القوة علي ثقافة الناس من خلال أعمال درامية وسينمائية لاقت قبول الجميع، وساهمت بشكل كبير في تعزيز ثقافتهم في اتجاهات معينة.

وأبرز مثال على ذلك مسلسل الاختيار الذي تم عرضه في موسمين متتاليين من شهر رمضان، وانتهى الجزء الثاني منه منذ أيام، حيث ساهم هذا العمل المبتكر بدور كبير في تغيير ثقافة المصريين حول حقيقة ما يدور في الدولة، والدور المحوري الذي تقوم به الأجهزة الأمنية من الجيش والشرطة لمقاومة المخاطر التي تهدد كيان ونسيج هذا الوطن.

وأنتج المسلسل جيلاً يعلم جيداً من يضحي من أجله، ومن يعمل على زعزعة استقراره وارتباطه ووحدته.

لذاً دعونا أن نعمل جميعاً من أجل بناء ثقافة جديدة تراعي المتغيرات الدولية الجديدة والظروف الحالية التي نعيشها جميعاً ولا تتنافى في الوقت ذاته مع قيمنا ومعتقداتنا وحضارتنا وانتمائنا وتراثنا.

 

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض

اترك تعليق