الضغوط الاقتصادية تجبر العالم على فتح أبوابه من جديد

الدول تعيد تشغيل عجلة الاقتصاد بشكل تدريجي.. و«الصحة العالمية»: على المجتمعات أن تتعايش مع الفيروس والتمسك بالإجراءات الوقائية

يقول المثل الأمريكي «يمكن أن توقف الاقتصاد بمطرقة شديدة.. ولكن إعادة تشغيله تحتاج لمشرط جراح»؛ هذا ما أدركه العالم مع قيام عدد كبير من الدول بالايقاف الاجباري لحركة الاقتصاد ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس (كوفيد – 19) مع تزايد معدلات الإصابة بشكل جنوني خلال الثلاثة أشهر الماضية، إلى أن تعدى عدد المصابين حاجز المليوني ونصف مصاب وفقاً لمؤشرات منظمة الصحة العالمية، وحصد أرواح تقارب الـ190 ألف حالة وفاة.

وأسفرت هذه الاجراءات عن تكبد الاقتصاد العالمي خسائر بـ2 تريليون دولار وفقاً لتقديرات «أونكتاد»، كما توقع تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر منذ أيام أن يشهد اقتصاد العالم انكماشاً حاداً بواقع -3% خلال عام 2020، وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فمن المتوقع أن ينحسر النمو بمقدار -3.3%، فضلااً عن انحسار أيضاً في حجم التجارة العالمية للسلع والخدمات بنحو -11% خلال العام الجاري.

كما أوضح التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية مطلع الشهر الجاري أن العالم سيخسر نحو 195 مليون وظيفة بدوام كامل نتيجة تداعيات كورونا، فضلاً عن تأثر نحو 2.7 مليار عامل بالسلب نتيجة التوقف الكلي أو الجزئي للنشاط الاقتصادي.

ومع تزايد الضغوط والخسائر الاقتصادية التي واجهتها اقتصاديات الدول المختلفة وانعكاسها على دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود، أصبح العالم يبحث عن الجراح ليعيد تشغيل الاقتصاد مرة أخرى بشكل حذر وتحت إجراءات احترازية مشددة يتم تنفيذها في إطار خطط، لتدوير عجلة الاقتصاد مرة أخرى مع خفض احتمالات انتشار العدوى بشكل خارج عن السيطرة في ظل عدم التوصل لمصل أو لقاح معتمد لمواجهة الفيروس.

فعلى الرغم من وصول تعداد الإصابات والوفيات في الولايات المتحدة للذروة وتصدر عدد من ولاياتها القائمة كبوئرة لتفشي الوباء، إلا أن تكبدها خسائر تعدت الـ800 مليار دولار، وزيادة أعداد البطالة بشكل كبير، وتهاوي أسهم البورصة، وهبوط أسعار النفط للعقود الأجلة بغرب تكساس لأدنى مستوى لها منذ تداول العقود الآجلة للنفط في بورصة نيويورك 1983، لتسجل معدلات سالبة وصلت إلى -39.63 دولار/برميل نتيجة تكدس المخزون مع تراجع معدلات الطلب.

الولايات المتحدة تعيد التشغيل على ثلاث مراحل

أعلن الرئيس الأمريكي عن خطة لإعادة تشغل الاقتصاد مرة أخرى على ثلاث مراحل تبدأ في مايو، تستعيد خلالها الولايات المتحدة الحياة بشكل تدريجي وفقاً لخارطة طريق تنفذها الولايات تحت إشراف الحكومة الفدرالية، وذلك في ظل تنفيذ مشدد للإجراءات الوقائية وبروتوكولات التباعد الإجتماعي أثناء العمل.

ألمانيا تبتكر.. والسويد تراهن على ثقافة الشعب

فيما ابتكرت ألمانيا خلال الشهور الأخيرة أساليب تمكنها من تشغيل الاقتصاد بشكل جزي عن طريق إصدار شهادات لذوي المناعة القوية تمكنهم من ممارسة أعمالهم في ظل الاجراءات الاحترازية التي تتخذها وفرض الحظر الكامل على ذوي المناعة الضعيفة أوصحاب الأمراض المزمنة، ومؤخراً ناشد أولاف شولتس نائب المستشارة الألمانية المواطنين في ألمانيا للتعود على نمط الحياة مع كورونا والتعايش مع الفيروس والمضي قدماً.

وفي السويد كانت ثقافة الشعب التي ترتكز في الأساس على التباعد الاجتماعي والاستقلال وفقاً لوكالة “يوروستات”، واستخدامهم للتكنولوجيا على نطاق واسع وتكيفهم مع الأوضاع، عامل داعم للدولة من تشغيل الاقتصاد بشكل جزئي مع دراسة التشغيل الكامل وفق إجراءات احترازية أكثر تشدداً.

فيما قررت الحكومات في كل من فرنسا وأسبانيا وإطاليا بإعادة استئناف الحياة تدريجياً مطلع شهر مايو، وذلك في ظل تراجع أعداد الإصابات، ولكن تحت إجراءات احترازية مشددة، ويبدأ التشغيل بشكل جزئي مرحلة تلو الأخرى، كما أعلنت النرويج أن أعداد الاصابات باتت تحت السيطرة وبدأت بالفعل بالتشغيل الجزئي لاقتصادها والمدارس والجامعات، وقامت الصين بالفعل باستئناف النشاط الاقتصادي حتى في بؤرة تفشي الوباء مدينة ووهان، وسمحت باكستان بإعادة تشغيل المصانع بشكل جزئي لدعم صادراتها.

مصر تنضم لقائمة المتعايشين مع كورونا

وعلى المستوى المحلي فقد أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن دراسة الحكومة لإمكانية رفع الحظر بشكل كامل بعد انتهاء شهر رمضان، لدعم حركة الاقتصاد مرة أخرى، مع إصدار كتيب يحتوي على تعليمات وإجراءات إحترازية لابد أن يلتزم بها المواطنون لتعود الحياة بشكل طبيعي ويستأنف الأفراد أعمالهم مرة أخرى، لتدخل مصر ضمن القائمة التي تبحث عن التعايش مع الفيروس واستئناف النشاط الاقتصادي مرة أخرى بشكل كامل.

وتأتي هذه الاجراءات في ظل توقعات منظمة الصحة العالمية باحتمالية استمرار وباء كورونا لفترة أطول، وبالتالي على الجميع أن يتعايش مع وجودة بالمجتمعات، مع التحزير شديد اللهجة بشأن تخفيف الدول للإجراءات الاحترازية التي تؤثر على حالة التباعد الاجتماعي، وتؤدي إلى حدوث تجمعات، مشددة على ضرورة الإلتزام بالإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كورونا حتى مع استئناف الحياة مرة أخرى.

العالم يواجه أزمتين مختلفتين بآليات غير متناغمة

ومن جانبه يرى محمود محيي الدين مبعوث الأمم المتحدة الخاص لتمويل خطة 2030، أن يخوض حرب شديدة على جبهتين مختلفتين، تتمثل الأولى في التصدي لانتشار فيروس كورونا وتسطيح منحنى الإصابات، أما الأخرى فتتثمل في منحنى الركود الاقتصاد الذي يعبر عن الانحسار الاقتصادي الذي من المتوقع أن يسجل -3% ليصبح بذلك أكبر معدل انخفاض منذ الكساد الكبير.

«كورونا» يجبر الدول على إعادة النظر في قنوات استثمارتها من جديد

وشدد محيي الدين على ضرور تركيز الدول كامل جهودها لمواجهة هاتين الأزمتين في آن واحد مع تزايد كل من معدلات الفقر والنمو السكاني، موضحاً أن أدوات الحرب على الجبهتين غير متناغمة، حيث تحتاج الأولى لتعزيز التباعد الاجتماعي، فيما تحتاج الثاني للحركة والمشاركة لعودة النشاط الاقتصادي، الأمر الذي سيعيد تشكيل طبيعة الحياة للتمكن من التغلب على هاتين الأزمتين في الوقت ذاته، كما سيدفع الدول على إعادة النظر في استثمارها بعد الأزمة في قطاعات مختلفة تشمل قطاعات الصحة والتعليم والبنية التكنولوجية، فضلاً عن المشروعات كثيفة العمالة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لامتصاص تابعات الأزمة.

خطط تشغيلية تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي وتحافظ على التباعد الاجتماعي

وقال محمد رضا الرئيسي الإقليمي لبنك الاستثمار سوليد كابيتال، إن الدولة المصرية تمتلك رؤية واضحة لإدارة الأزمة، ولكنها تواجه العديد من الضغوط الاقتصادية نتيجة إغلاق بعض الأنشطة الاقتصادية وتسريح العمال وعودة العمالة المصرية العالقة بالخارج، مما يجعلها تقف أمام المعادلة الصعبة التي تتمثل في إحداث التوازن بين انحسار الإصابات بوباء كورونا، وخفض حجم الخسائر الاقتصادية.

وأوضح أن يضع المستثمرين خطط منظمة للعملية التشغيلية تضمن استمرارية العمل مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي، تتضمن تقسيم أعداد العمالة على عدد نوبات عمل أكبر لتخفيض الأعداد مع استمرار حجم الأعمال، خاصة في القطاعات كثيفة العمالة، وفي حالة عدم الإلتزام بالخطة سيؤدي ذلك إلى إصابة العمالة بالفيروس وبالتالي إغلاق المصنع ووضعه تحت الحجر، مشيراً إلى ضرورة وجود دعم من الدولة لمساعد صغار المستثمرين في عمل هذه الخطط، وإحكام الرقابة عليها، وتدشين برامج تحفيزية لتنفيذها.

الإنغلاق الخارجي للدول يحفز نمو الاستثمار في أذون الخزانة لأعلى مستوى لها تاريخياً

وأشار رضا إلى قيام العديد من الدول باستئناف النشاط الاقتصادي، موضحاً أنه لن يكون بالشكل المتوقع نتيجة استمرار إنغلاق الدول على نفسها، والاكتفاء بتشغيل الاقتصاد على المستوى الداخلي فقط للتعافي بشكل جزئي من الأزمة وتقليص حجم الخسائر، الأمر الذي قد يؤثر على موارد النقد الأجنبي وبالتالي الاحتياطيات الدولية في بعض الدول، مما يدفعها لتأمين احتياجاتها إما عن طريق القروض الذي سيتوقف جينها على التصنيف الائتماني للدولة، أو أذون الخزانة التي من المتوقع أن تشهد خلال العام الجاري أعلى معدل استثماري لها في التاريخ.

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض