مؤرخ أمريكي: تعثر الولايات المتحدة لفترة طويلة في مواجهة كورونا سيحدث فوضى بالعالم

بلومبرج

قال المؤرخ الأمريكي هال براندز، إنه قبل تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، كانت الولايات المتحدة تحارب مشكلات على عدة جبهات في وقت واحد، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط إلى المياه قبالة سواحل شرق آسيا.

وأوضح في تقرير له نشرته بلومبرج، أنه منذ بدء تفشي الفيروس، تحولت الطاقات الأمريكية، إلا أن التحديات لم تتوقف، ويذكرنا فيروس كورونا بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتحرك بشكل جيد في العالم إذا لم تكن على ما يرام في الداخل، كما أن الفيروس يوضح أنه كلما استمر تعثر الولايات المتحدة لفترة طويلة، كلما كان العالم أكثر فوضى.

وأشار إلى أن هناك انفصالا ملحوظا بين الشؤون الداخلية والخارجية للدول حالياً، فقد أوقفت الدول في كل قارات العالم اقتصاداتها ومجتمعاتها بشكل متعمد، كما تباطأت وتيرة التفاعلات الطبيعية إلى أقصى درجة لتصل إلى حد الزحف. ولكن في عالم السياسة الدولية، لم تتوقف الأنماط الطبيعية للمنافسة كما لم تهدأ.

وتابع “من المؤكد أن الصين لم تأخذ استراحة من محاولة الهيمنة على منطقة غرب المحيط الهادئ. ومؤخرا نفذت اعتقالات جماعية للقادة المؤيدين للديمقراطية في هونج كونج، متجاهلة القانون الأساسي (دولة واحدة ونظامان)”.

كما عززت توسعها في بحر الصين الجنوبي، مع انتهاكات لمناطق متنازع عليها وإغراق قارب صيد فيتنامي وإنشاء هياكل إدارية جديدة تهدف إلى ترسيخ السيطرة على المناطق المتنازع عليها.

و يضيف براندز، أنه في الخليج تحرشت قوارب إيرانية بسفن تابعة للبحرية الأمريكية كما هاجمت ميليشيات مدعومة من إيران منشآت أمريكية في العراق الشهر الماضي في إطار دائرة مستمرة من الاستفزازات والرد من الجانبين.

وقد سجلت كوريا الشمالية رقما قياسيا في وتيرة اختبارات الصواريخ، حيث أطلقت 8 أو ربما 9 صواريخ في مارس الماضي، وبدلا من أن أخذ فترة راحة بسبب فيروس كورونا، شنت حركة طالبان الأفغانية هجمات في عدة أقاليم.

ومارست روسيا حيلها المعتادة- بالتحضير لإرسال المرتزقة إلى ليبيا واختبار صاروخ مضاد للأقمار الصناعية ونشر نظريات مؤامرة لاستغلال التوترات داخل أوروبا، كما يفترض أنها تستعد للتدخل في الانتخابات الأمريكية مرة أخرى.

ومن الصعب معرفة ما إذا كانت هذه الجهات الفاعلة تتعمد استغلال الفرصة الناتجة عن تفشي فيروس كورونا، أم أنها تفعل ببساطة ما تفعله عادة في ظل احتدام الوباءـ إلا أن الأمر الواضح هو أنها تضغط لأن الولايات المتحدة مشتتة للغاية.

وكان تحويل اتجاه حاملة الطائرات الأمريكية “تيودور روزفلت” إلى جوام مبررا تماما، نظرا للأزمة الصحية الشديدة على متنها، ومع ذلك فقد سحبت مجموعة ضاربة من غرب المحيط الهادئ في وقت حساس. كما أن حاملة الطائرات الأخرى في المنطقة “رونالد ريجان”، عالقة في الميناء أيضا لأن طاقمها مصاب بفيروس كورونا. كما توقف تدريب واستعداد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية وأماكن أخرى بسبب القيود الصحية؛ وعلقت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) معظم الرحلات الجوية المحلية والدولية.

كما أن الدمار الذي أحدثه الوباء داخل الولايات المتحدة يثير حالة من الذعر، حيث جذب انتباه قادة البلاد، وكلما زاد الوقت الذي يكرسه كبار المسؤولين في البيت الأبيض والبنتاجون ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي للتعامل مع تداعيات فيروس كورونا، كلما قل الوقت الذي يكرسونه للتعامل مع التحديات القائمة.

ولا يجب أن نفترض أن الأخيار فقط هم الذين يتعرضون للأذى، بالطبع. فقد دمر فيروس كورونا الشعب الإيراني.

وقد تكون روسيا قد امتصت أيضا أضرارا خطيرة، أخفتها بنقص الشفافية النسبي وعمليات إجراء اختبار الفيروس، وهناك من يعتقد أن جيش التحرير الشعبي الصيني يعاني كذلك.

في غضون ذلك، تحاول الولايات المتحدة توضيح أنها لم تخرج من اللعبة. وقد برهنت القوات الجوية مؤخرا قدرتها على إطلاق قاذفات “بي -52” بتتابع سريع من قاعدة “اندرسين” الجوية في جوام، كتحذير للصين وكوريا الشمالية، كما ردت الولايات المتحدة على وكلاء إيران بعد هجماتهم الصاروخية على قاعدة أمريكية شمال بغداد.

و يقول براندز إنه نظرا لأن الولايات المتحدة لديها الكثير من الالتزامات، فيجب عليها الموازنة بينها حتى في ظل الظروف العادية نسبيا. ولأن الصدمات التي تتعرض لها أمريكا يتم التركيز عليها بطريقة كبيرة غير الصدمات التي تتعرض لها الأنظمة الاستبدادية والحركات المتشددة، فإن من الطبيعي أن يثار التساؤل عن مدى انخراط وفعالية واشنطن الآن. وقد تمت مقاطعة الإيقاع الطبيعي لسياسة الولايات المتحدة، على الرغم من استمرار ما أطلق عليه جورج كينان “الإيقاع الدائم للصراع” في الشؤون العالمية.

ويبدو أن الصينيين قد لاحظوا ذلك بالتأكيد، فقد ذكر الموقع الصادر باللغة الإنجليزية لجيش التحرير الشعبي الصيني بشكل غير مباشر أن فيروس كورونا “خفض بشكل كبير القدرة على نشر السفن التابعة للبحرية الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ”، على الرغم من أنه من الصعب، وربما من الخطأ، رسم خط مستقيم بين هذا التراجع الأمريكي المؤقت وسلوك بكين كنتيجة له، فإن تصور أن واشنطن مشغولة أو ضعيفة سيؤثر في النهاية على لاعبين ودودين ومعادين على حد سواء.

وسيكون التأثير مضاعفا أولاً، فيروس كورونا يؤكد بطريقة مثيرة للغاية أنه إذا كانت الولايات المتحدة في حالة من الفوضى داخليا، فلن يكون أداؤها جيدا كقوة عالمية. حتى لو افترضنا تعافيها سريعا من الوباء، هناك تكلفة طويله المدى لسياسة الولايات المتحدة باستهلاك الكثير من الأموال التي يجب أن تسددها في نهاية المطاف- جزئياً من خلال الضغط على ميزانية البنتاجون.

وإذا عانت الولايات المتحدة أو تعرضت لركود لفترة أطول، ستكون هناك آثار متتالية على مشاركتها في الخارج.

وتعد صحة المواطنين والازدهار هما الركائز الأساسية للحكم في أمريكا، وعندما ينهاران، فسينهار النظام الذي تقوده أمريكا.

وسيكون هذا أمرا مأساويا، لأن النصيحة الثانية هي أن أمريكا المشلولة أو المركزة داخليا ستؤدي إلى وجود عالم مضطرب. وكما كتب العالم السياسي هيدلي بول في كتابه الرائع “المجتمع الفوضوي” فإن الشؤون العالمية تعتمد على منافسة مستمرة بين القوى المتعارضة.

وسيكون هناك دائما جهات فاعلة مفترسة تتطلع إلى استغلال الضعف والاضطراب حتى إذا كان هذا الاضطراب يؤثر عليهم أيضًا. وإذا كان الأوصياء على النظام غائبين، سيتم كسر التوازن، ولن تكون النتائج جميلة.

لقد علمنا بالفعل أن اجتياز الوباء في أسرع وقت ممكن يعد أمرا ضروريا للصحة العامة وللاقتصاد، وأتضح أيضا أنه يشكل ضرورة استراتيجية.

اضغط لمتابعة أموال الغد على تطبيق نبض