“مصر – أمريكا ..”الرهانات المتقاطعة!
كتب أموال الغد :
10:36AM 16/04/2017

تغيرات كبرى سيشهدها العالم خلال الشهور القادمة، ستكون فيها أمريكا كلا من جزء وليس العكس، بعد فجوات طالت هيمنتها الكاملة على العالم استمرت لعقود سابقة

 المعادلة تقول بقدر ما تعطي من دعم في قضايا المنطقة ذات الاهتمام المشترك بقدر ما ستأخذ على مستوى الاقتصاد ووزن نسبي في مؤسسات المنح الدولية

لا يجوز أن تتسم رؤية 2030 بالجمود وهى تتجاهل الدور الفاعل للولايات المتحدة في المنطقة وتخرجها من نطاق حلفاء المستقبل

 يجب أن نتعامل مع الجانب الأمريكي بأساليب تتخطى مقولة "الـ 99 % من أوراق اللعبة في يد أمريكا"، إلى نظرية تؤمن بقدراتنا على إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية ودحر الإرهاب

 لا أحد ينكر أن هناك ثمة تغيرات كبرى سيشهدها العالم خلال الشهور القادمة على كافة المستويات، ستكون فيها أمريكا كلا من جزء وليس العكس، بعد فجوات طالت هيمنتها الكاملة على العالم استمرت لعقود سابقة.

فالروس أتو من بعيد وقاموا بخطوات تصعيدية دبلوماسية في عدد من القضايا المتعلقة بالمنطقة والشرق الأوسط تحديداً، بالإضافة إلى تأثيرهم المباشر في الانتخابات الأمريكية وأيضا الفرنسية والذي تم رصده من أكثر من جهة، بالإضافة إلى خروج العديد من الدول من عقد حبات المؤسسة الأمريكية في العديد من المناطق بالعالم، كما أن العديد من الصراعات التي تشهدها المنطقة والعالم ليست ببعيدة عن المشهد، فهي في أساسها تدل على فشل ذريع في السياسات الأمريكية السابقة.

ويضاف إلى ذلك مشاكل داخلية معقدة وجديدة على دولة العم سام، فهناك كونجرس منقسم على نفسه ، واقتصاد لم يعد يثق بنفسه في ظل تصاعد قوة الصين الاقتصادية التي يبدو أنها الآن تسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الأمريكي ذاته.

وبالتالي تبدأ الإدارة الأمريكية خلال المرحلة الحالية في رسم خطواتها للمستقبل عبر مزيد من الانكماش على الداخل أولا وتعظيم الفائدة على مستوى الاقتصاد وإجراء التحالفات القوية التي تخدم المصالح الأمريكية في الخارج، وقد ظهر "ترامب" ليمثل لها هذه المرحلة التي ستشهد بدء اللعبة من جديد وسحب الأوراق السابقة تمهيداً لإعادة توزيع الأدوار.

وفي ظل هذا التوقيت المتداعي من الصراعات التي أضيفت على أرض منطقة الشرق الأوسط بجانب القضية الفلسطينية لتشمل السورية واليمنية والليبية، ستندفع السياسات إلى تخطي العلاقات التي تعتمد على صداقة الشعوب والمصالح التجارية المشتركة إلى دليل جديد تصاغ فيه الاتفاقيات؛ اعتمادا على ما الذي تقدمه إليها على الأرض في سلة من القضايا حتى تكون معك في نفس الصورة، والأمريكيون بارعون في ذلك.

لكن على أي أساس تبرم قواعد اللعبة مع مصر؟ ذلك هو السؤال الأهم لنا في هذه المرحلة.

جدول أعمال الرئيس السيسي في واشنطن دل بإمتياز عن توجه الدولة المصرية في هذا التوقيت، وطبيعة العلاقات الثنائية مع الساكن الجديد للبيت الأبيض، وإن كنا لا نعلم كثيراً عن الاتفاقيات السياسية على عدد من القضايا والتي بحث رئيس الجمهورية بعضها مع وزيري الدفاع والخارجية أو مع مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، أو تعرض لها أعضاء الوفد المصاحب له في لقاءات مع نظرائهم الأمريكيين، إلا أن ما يتضح جليا هو كافة المسائل المتعلقة بالاقتصاد مع الجانب الأمريكي، والذي يحكمه منطق "بقدر ما تعطي مصر من دعم فى قضايا المنطقة ذات الاهتمام المشترك بقدر ما ستأخذ على مستوى الاقتصاد ووزن نسبي في مؤسسات المنح الدولية ودخول الشركات المليارية إلى مصر.

فباليقين نحن لسنا كما يردد الإعلام أمام فتح مبين على مستوى العلاقات مع الإدارة الأمريكية، لأننا ببساطة وبدون إطلاع على الغيب لن نوافق على طول الخط على كافة ما يقدم لنا من طلبات والتسليم الكامل وهو ما رصده مركز ستراتفور الأمريكى المعني بالتحليل الاستخباراتي، إلا أن الضعيف أيضا قادر على ترويض القوي في بعض المراحل إذا ما أحسن التدبير واختيار التوقيت وعدم تصديق همسات الوعود دون فحص ومراجعة إرث الماضي.

النزول على الأرض والتعامل مع الواقع، هو ما سيدفع بنا إلى نتائج أكثر وضوحاً وفائدة.

والواقع يقول أننا مازلنا بحاجة إلى العديد من الحسابات لنحدد مع من سنكون في المستقبل، فالعلاقة مع واشنطن وتطورها لا شك أنها تضع قيوداً بشكل أو بآخر أو تغير في استراتيجية التعاون مع موسكو، في ضوء حسابات إن لم تخص القاهرة فهي تخص موسكو نفسها التي تعتبر واشنطن بمثابة النقيض الذي لا يتفق معها أبداً.

وبالتالي يجب علينا إحداث توزان ولو نسبي في علاقتنا مع قوتين، يمتلكون كثيراً من مفاتيح اللعبة في المنطقة حالياً من أجل المصالح فقط، وليس أوضح من الشأن السوري حالياً.

فلست أفهم مثلاً الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات السوري قرب مدينة حمص، بأنه انتصاراً للعدالة أو إنتقاماً لما لحق بأطفال أبرياء استشهدوا جراء غازات سامة، بل أفهمها على الطريقة الأمريكية الباحثة دائما عن المصلحة وبسط النفوذ.

وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي ومنظومة العلاقات الخارجية للاقتصاد المصري، لابد أن يكون هناك رؤية شاملة للتحرك المستقبلي، ولابد أن تدرك الدولة أن الهيكل الداخلي للاقتصاد يؤثر وبشكل مباشر في اختيار الحلفاء.

فمثلاً تمديد التعاون مع اليابان لن يفيد الاقتصاد المصري كثيراً خلال الفترة المقبلة في ضوء تحفظ الجانب الياباني في ضخ استثمارات بالمنطقة العربية بصفة عامة حالياً وكذلك في ضوء عدم استعداد السوق الياباني لاستقبال منتجات بنوعية المنتجات المصرية ومستوى سعرها وجودتها الأمر الذي يتطلب تعديلاً هيكليا علي طبيعة الاقتصاد حتى يتكيف مع متطلبات التعاون مع الاقتصاد الياباني وهو ما يستحيل فعله، حيث لا تشكل الاقتصاديات على مقاس اقتصاديات أخرى لأن هذا النوع من التعاون سيخلق تبعية مطلقة كتلك التي عاني منها الاقتصاد المصري لسنوات طويلة في تعاونه مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ولعل الأرقام تتحدث لتشير إلى استقرار نسبي محتمل في أداء الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، ولغة الأرقام هنا ترتكز إلى الطفرة التي تحققت في ميزان مدفوعات الدولة على مدار النصف الثاني من 2016 و 70% منها بعد قرارات الإصلاح الاقتصادي الأخيرة التي كان من بينها قرار تحرير سعر صرف الجنيه في مواجهة العملات الأجنبية، فضلاً عن الزيادة الملحوظة في حركة الاستثمارات الأجنبية خلال هذه الفترة من ناحية مع إعلان الكثير من الشركات العالمية اعتزامها ضخ استثمارات كبيرة في السوق المصري من ناحية أخرى.

أضف إلى ذلك التراجع في أسعار العديد من السلع، وفقاً لقانون الطلب حيث أدى انخفاض الكمية المطلوبة من السلع المختلفة إلى تنازل الشركات عن جزء من أرباحها أو الضغط على موارد المادة الخام لتخفيض السعر النهائي للسلعة حتى تعيد المستهلكين للشراء، وكان من ضمن هذه السلع الحديد الذي يمثل سلعة استراتيجية هامة بداخل السوق المصرية وكذا بعض السلع الأخرى التي من بينها السكر الذي شهد أزمة خلال الفترة الأخيرة.

وهنا لو أدركت الحكومة أن قانون الطلب ومبدأ اليد الخفية الذي تحدث عنه أبو الاقتصاديين أدم سميث قادر على إعادة السوق للتوازن لما اهتمت كثيرا بالسعي لتوفير بعض السلع الاستهلاكية في المنافذ الحكومية هنا وهناك والتي دائماً لا تصل للمستحقين ودائما ما تواجه بمافيا تجار السلع التموينية وتجار السوق السوداء المتعاونين مع شركائهم بالجهات الحكومية المختلفة.

وهذه المؤشرات التي تحتمل بشكل كبير مستقبل أفضل للاقتصاد المصري ستمكن صانعي القرار السياسي والاقتصادي من التريس وإعادة النظر للأمور في ضوء المستجدات الجديدة، وفي ضوء الثقل الذي تملكه مصر في منطقة الشرق الأوسط بتأثيرها الكبير في المعادلات السياسية الدائرة في المنطقة، وهذا التأثير لا ينكره أحد؛ وشكل التعاون المفتوح حالياً بين مصر والقوى العظمى يؤكد الاحترام المتبادل بين مصر ومراكز القوى حول العالم في الشرق والغرب.

وعند الاستناد على الحقائق الأمريكية في العقود الثلاث الماضية، نجد أنها غير مستعدة لخسارة التحالف مع مصر، لاعتبارات عديدة متعلقة بنقاط مشتركة في العديد من الملفات أبرزها في الوقت الحالي الحرب على الإرهاب والبحث عن استقرار نسبي لمناطق الاشتعال، وإن كان على مصر أن تحصل على خطوات إيجابية متعلقة بالملف السوري، والقضية الفلسطنية في هذا التوقيت تحديداً.

فالحاضر يشير بوضوح إلى أوضاع جديدة محتملة ستحدث في المنطقة متعلقة بقوى صاعدة، وحسم ملفات على الأرض، تقودها الولايات المتحدة بإتفاق شبه واضح مع الحكومات العربية الحليفة.

سمة نقطة أخرى على الحكومة الانتباه إليها، هذه النقطة ترتبط بضرورة إضفاء مزيد من المرونة في توجه السياسة الخارجية المصرية، وفي استراتيجية التحرك الاقتصادي والسياسي والعسكري مع الخارج، فلا يجوز أن تتسم رؤية 2030 التي تتحرك الدولة حالياً وفقا لها بالجمود وهي تتجاهل في الوقت ذاته الدور الفاعل للولايات المتحدة في المنطقة وتخرجها من نطاق حلفاء المستقبل، حيث أن المستجدات التي شهدتها الفترة الماضية وتغير السياسات الأمريكية اتجاه مصر بصفة خاصة ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة بعد صعود دونالد ترامب لكرسي الحكم تؤكد ضرورة النظر إلي هذا الأمر وضرورة أن يكون للولايات المتحدة دوراً في مستقبل العمل الاقتصادي والسياسي المصري مع الخارج.

والذي سيخدم هذه التوجهات ويرسخ من قوة الدولة أمام العالم كله هو تثبيت أقدام الحكومة بالإعداد لحراك تنموي فاعل يرتكز إلي عنصرين رئيسيين الأول التنمية المتوازنة بين القطاعات الاقتصادية المختلفة بمبدأ "تنويع الدخل والمخاطرة" حتى لا يسقط الاقتصاد بهبوط مؤشرات الأداء وسقف قطاع معين كما حدث في الكثير من الاقتصاديات الكبري والصاعدة على حد سواء كأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وأزمة سوق المال في الصين، والثاني التنمية المتوازنة جغرافياً حتى تقتحم الدولة مواطن الفقر وتعالج الخلل الذي تشهده هذه المناطق بما يوجهنا إلي مجتمع أكثر عدالة وأقل انحرافاً وجريمة الأمر الذي سيجعل من نسيج المجتمع المصري قوة داعمة لساسته وحكومته وقادته ولا يتمادى في صنع قنابل موقوتة لا تعلم اللحظة التي يشير إليها مؤقت الانفجار المثبت عليها.

في منطق اللحظة، يجب أن نتعامل مع الجانب الأمريكي بأساليب جديدة تتخطى مقولة "الـ 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا "، إلى نظرية تؤمن بقدراتنا وقيمنا على تحقيق أهدافنا الخاصة بإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية، ودحر الإرهاب.

كل لاعب يجب أن ينظر إلى أوراقه، قبل فوات الأوان وانتهاء اللعبة لأجل غير معلوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *