أنا غاضب..
كتب أموال الغد :
1:00PM 15/04/2017

أنا غاضب ذلك الغضب الواعر، غضب الصعايدة فى جنوب مصر، لا أصرخ ولا ألطم الخدود، ولكنى أدخل محارة الصمت، فهل تأذنون لى أن أغضب وأتألم فى صمت؟

أسئلة إجبارية وليست اختيارية!

 

الفجيعة «مصرية» الأرواح والدماء، وأنا مصرى بالتاريخ والجغرافيا، الحزن بحضارة وإن تدفقت منها رائحة الحرائق. والدموع محبوسة فى المآقى، فأنا أنتمى لدولة الإنسان وعاصمتها المشاعر. و«مصرى»، لا تنكسر!

 

■ هل تأذنون لى أن أبكى وأنا أشاهد جثامين «مصرية» لحظة الوداع، فربما تمتص الدموع صهيل أحزانى. هل تأذنون لى بالحزن وأنا أرى الحياة تُطعن بقنابل الحقد والكراهية لقبول الآخر. إنما خلقنا لنعمر الأرض لا لندمر الأخضر واليابس و«مصرى» لا تنكسر.

 

■ هل صرنا نحيا فوق قنابل موقوتة وننام فى حضن سيارات مفخخة تنتظر ضغطة إصبع؟ هل نعيش نكبة التكنولوجيا ويأخذنا الحنين لعصر الشموع. تشتعل فى صمت وتضىء فى صمت وتنصهر فى صمت ويذبل الضوء فى صمت؟

 

■ هل تأذنون لى بالتساؤل: ماللأدمغة تتعرض لغسيل ليل نهار مقابل حلم!! مقعد فى الجنة؟!! ويحدث ذلك فى غياب الاعتدال والوسطية؟ من ترك هذه النفوس الخربة ترتع فى الجهل فيسهل على الفور احتضانها للشر؟ يحدث ذلك فى غياب تعليم راق وإعلام أكثر رقياً. ولكنى رغم التخلف أراهن على وعى المصرى ابن الأرض والعرض، فلديه بصيرة تفوق البصر لأميال.

 

■ إن من يفخخون أنفسهم بأحزمة ناسفة، هم مجرد أدوات فقط لغرف استخباراتية مظلمة تخطط وترسم و«على الباغى تدور الدوائر»، فهكذا تعاد له الحياة، لكن العالم أجمع ذاق مرارة آخر حوادث الإرهاب فى مترو روسيا أو هجمة استوكهولم، وذلك لم يمنع الحياة أن تستمر على عكس ما يريد الإرهاب، فالإرهاب يريد الشلل لكل مفاصل الحياة، وفى مصر عرف المصريون جميعاً طعم الآلام فى أسبوع الآلام حين حققت الدولة المصرية نجاحات فى الخارج واقتربت من القطب الأمريكى. كان لابد يا ولدى من سرقة «الفرح» وتكسير الكلوبات لنحيا فى العتمة. لكن المصرى بالتجربة تراه «مقطب الجبين» لوقت قصير ثم ينهض كالمارد لأن من طبيعة مصر أنها أبداً لا تنكسر. إنها الروح المصرية العملاقة.

 

■ دون أن يتهمنى أحد بازدراء الأديان، أتساءل وكلى إيمان بنعمتك لماذا- يا ربى- يرحلون وهم يتجهون صوباً إليك، يبتهلون لك جل جلالك، ويركعون أمام هيكلك، ويموتون داخل كنيستك؟ هل صار الموت يغافلنا ويدخل مع المصلين ويجلس ضمن الشمامسة؟ هل صارت له هذه الجرأة المقتحمة رغم بوابات الحديد الإلكترونية؟ لكن يبدو أن الموت يطرق أبوابنا دون موعد مسبق ويدخل من نوافذنا دون استئذان. يموتون بين يدى الله فى مسجد أو كنيسة أو معبد. ولست بمعترض على إرادتك، لكنى أتساءل.

 

■ هل تأذنون لى بالغضب؟

 

حفيدى يسألنى: «لماذا يا جدو يقتلوننا؟ هل أصبناهم بأى أذى؟ هل وجهنا لهم سباباً معيباً؟ لماذا يا جدو يقتلوننا ونحن نشرب من نفس النبع؟ لماذا يا جدو رفض البعض فى مجلس الشعب الوقوف حداداً على رحيل البابا شنودة بابا العرب كما كانوا يطلقون عليه؟ من هم هؤلاء يا جدو؟ هل تلتقى بواحد منهم ويصافحك؟» ولم أعرف بما أرد! فالأسئلة منطقية ولكن عقولنا هى التى خرجت عن القضبان وحادت عن الصواب.

 

■ أن يتمتم طفل بآيات الإنجيل ضمن صلاة صباح الأحد الدامى ثم يتحول بعد قليل إلى أشلاء بفعل زلزال لم تأت به الطبيعة إنما بفعل دماغ مغسولة لقنوها كيف تكره الآخر وتقتله فى وضح النهار؟ ففعل دون عقل ولا ضمير.. أى مشهد عبثى هذا؟ ورغم هذا نقول فى صلواتنا «فخر الرسل إكليل الشهداء فى أى زمن نعيش؟ أهو «الزمن الداعشى»؟

 

وما الغنيمة التى يقاتلون من أجلها؟

 

يا زمن القبح والتخلف. دعونى أسأل: أهو القضاء والقدر أم القدر والمكتوب؟ من يعرف الإجابة يطعمنى ويسد جوعى للمعرفة! وفى الصلاة يقولون تهانينا للشهيد.. فهل الموت مكافأة؟

 

■ بعيداً عن شارات الحداد السوداء أعلى يسار الشاشات وموجة العزاء القومى، هل تأذنون لى بالصمت قليلاً، ألملم أحزانى المتناثرة وأفكارى المبعثرة وهمساتى الشاردة وظنونى الحائرة. إن أسئلة صعبة لها طنين فى رأسى تود الإفراج عنها.. منها «هل مسلسل تصفية المصريين بالموت فى كنائسهم مستمر؟» ومنها.. «وماذا بعد؟» ومنها «هل تستيقظ يوماً الضمائر التى شبعت موتاً؟».. ومنها «هل منعت أحدث أجهزة الكشف عن المفرقعات الإرهاب فى العالم؟» ومنها «هل نغلق بيوت الله المصرية ببوابات إلكترونية؟».

 

■ أنا غاضب، غضب الجمال التى تختزن غضبها.

 

وهل يظل الجيش والبوليس يحاربان الإرهاب بالنيابة عنا؟!

 

وكيف يتصدى المصرى لموجات الشر المتتالية؟

 

من يمنحنى رصيداً من الصبر بعد أن نفد صبرى؟ أو كاد ينفد؟!

 

■ وهل تأذنون لى باعترافات لا ينقصها الصراحة حتى لو كانت صادمة:

 

1- أعترف بضيقى من بعض المثقفين المتفذلكين الذين فى هذه الظروف بلوكون تهويمات عن المراجعات والمصالحات.

 

2- أعترف بنفورى من «مصريين» يشبهون المصريين، لكنهم ليسوا مصريين، يتلقون أوامر وشوارد وينقلون معلومات ومعلوم أن العمليات الإرهابية هى حرب معلومات وكلما نسفنا جسور المعلومات.. أفشلنا العمليات قبل وقوعها.

 

3- أعترف بغضبى من إعلام رسمى مكبل بتعليمات وإعلام خاص «يميع» الجدية الواجبة الحاكمة للظروف، حتى الضحك صار مهترئاً ومفتعلاً، ولا يطهر قلباً ولا كبداً واللعب على أوتار وجيعة المصريين سائد.

 

4- أعترف أن الدولة فى وادٍ والناس فى وادٍ آخر، فالدولة تواجه إرهاباً أسود يحصد أرواح المصريين والناس «تتلقى» الأخبار و«تنفعل» بعض الوقت ثم يعودون لمدرج المتفرجين.

 

5- أعترف أنى كنت أتوقع أسماء معنية بالمهنة والمهنية فى الإعلام الجديد المرئى مثل خبرة د. سامى عبدالعزيز والأستاذ الدكتور حسين أمين بالجامعة الأمريكية فهو مصرى محترم وتتلمذ على يديه شباب مثقف إعلامياً. فالأجيال الشابة تحتاج إلى قبطان على الدفة وفى العالم أجمع يدير طاقات الشباب رموز لها قدر هائل من التجربة والرشد. أقول من واقع عشته وعايشته.

 

6- أعترف بسعادتى حين أعلن د. على عبدالعال، رئيس مجلس النواب، أن أهم ما ستحمله الأيام المقبلة تغييرات جذرية فى المناهج خصوصاً مناهج الجامعة الأزهرية ومناهج التعليم وارتباط التعليم بسوق العمل. إنها نقلة نوعية ومهمة وتفكير خارج الصندوق ومصر «عامرة» بالعقول.

 

7- أعترف بأن حادث الكنيستين المصريتين، جاء ليعلن مولد لحظة جادة فى حياة شعب يكون أو لا يكون. جاء ليعلن من فوق كل مساجد مصر «حى على الفلاح» وترد أجراس كنائس مصر مرددة الترانيم كنوبة صحيان.

 

■ أنا غاضب وعاتب على رئيس بلادى حين وعدنا أنه سيقتطع من وقته وقتاً يحدثنا فيه على الشاشات كما قال «مرة كل شهر». إنها ضرورة - يا رئيس - أن تقربنا من ذهنك، وأن نفكر معك. فهمومك هى همومنا. ومساعيك هى مساعينا وأحلامك هى أحلامنا. نحن فى نهاية الأمر ظهيرك الذى تراهن عليه ولن نخسر الرهان لأن داخل المصريين رأيا صار «معتقداً راسخاً»: إن الجيش درعنا وهمومك ثقيلة كالجبال والعالم النجس يحاربك بوسائل خسيسة ويريد محو مصر من فوق الخريطة. نعلم كم تعانى، فنخرس صوت الآلام. نعلم أنه قدرك أن تقود البلد فى أدق مرحلة يعيشها، فنكتم مطالبنا الخاصة و«نصفَّ» خلفك: انتباه. ولن نسقط - يا ريس - فى اللحظة الآنية، ستظل عيوننا وعقولنا مثبتة على كلمة المستقبل، فهى كلمة السر وتميمة المصريين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *