الإعلام المصري..وأزمة منتصف العمر !
كتب أموال الغد :
10:28AM 19/03/2017

دائما ما يأتي ربيع الإعلام في الظروف السيئة، حيث يشغل اهتمام الكثيرين أن يعرفون ماذا يحدث حتى لو كان ما يبث "أكاذيب" في مستوى مهنية منعدم!.
لكن التطرق إلى المنتج الإعلامي نفسه يجب أن نتوقف كثيراً عند أدواته وقدراته ومنطقية ما يبث، ومدى المصداقية التي يملكها في أروقة المجتمع.

السنوات الماضية دفعتنا نحو الكثير من اللغط في الإعلام المصري بشكل عام، حيث سيطرت قوة "الشخط" والخروج عن المألوف، وتحولت البرامج السياسية إلى مسلسلات درامية أحيانا وإلى أفلام أكشن في أحيان أخرى لكب الجمهور على وجهه فلا يفهم ولا يعقل الموضوع المثار، بقدر ما يتعلق بالإعلامي صاحب الحيلة الذي تفوق على نفسه في الأداء ويصلح إلى أن يرشح لجائزة أحسن ممثل.

وتوارت في المقابل الوجبة الساخنة للإعلام الرياضي والفني التي استحوذت على بطون وعقول الجمهور لسنوات.

وتعد من الكبائر العظمى فصل الإعلام عن المجتمع فالإعلام كما ذكر في الكتب والمناهج "مرآة المجتمع"  وهو الوسيط في الاتصال السياسي ويساهم في صياغة وتشكيل الحقيقة السياسية في المجتمعات الديمقراطية التي تمنح وسائل الإعلام حرية التعبير عن القضايا التي تشغل جماهير المجتمع وتعتبر وسائل الإعلام مرآة المجتمع العاكسة لأهم القضايا التي تثير الساسة وصناع القرار.

ولوسائل الإعلام قدرة في ترتيب أولويات الجماهير فهناك نوعين من الجمهور يتناولهم الإعلام السياسي في طرح القضايا السياسية والآراء؛ "جمهور نخبوي" تتأثر به وبطبيعة القضايا المهمة التي تشغله "وجمهور عام" يسهل التأثير عليه وأغلبه ليس له انتماءات سياسية ولا يشغله المشاركة السياسية.

لكن ماذا الآن؟
أموال تضخ هنا وهناك، أشاهد بواقع خبرتي أنها تركز على حجم إنتاج ضخم، بسيناريو ضعيف وشخصيات فقدت ظلها المتمثل في واقع مقلوب وظروف مضطربة، وبرسائل "تعبئة" لم تعد تجدي في مجتمع دخل في خلاط السياسة والاقتصاد وأصبح يعرف أسماء الوزراء الاقتصاديين ويتطلع على مفاوضات صندوق النقد ويتابع عن كثب تعويم الجنيه أكثر من أخر أعمال الفنان أحمد حلمي.

ولكن على الرغم من تطور اهتمام الجمهور وتغيره إلا أن الآلة الإعلامية لم تغير منهجها أو سياستها، وباتت القنوات والصحف الجديدة التي تدخل إلى عالم الإعلام تعتنق نفس الفكر السائد، وكأنه شرع وجب على الجميع اتباعه، ودستور يتعرض من يخالفه للمسائلة القانونية والمجتمعية.
والغريب أنك لو اطلعت على العالم من حولك لوجدت الإعلام يواكب المجتمعات في تطور اهتماماتها أو القضايا التي تشغلها أو الموضوعات التي باتت قاسم مشترك في مصالح الجميع سواء الحكومة أو المواطنين.
والأمثلة على ذلك كثيرة، فعلى الرغم من إيمان الجميع بأن الاقتصاد بات هو المحرك لكل شيء سواء في المعيشة أو السياسة أو الثقافة، إلا أن تناول الإعلام له لا يزال محدوداً.

وذلك على الرغم من أنك لو نزلت إلي شوارع العاصمة ومقاهي النجوع والقرى بالوجه القبلي أو شواطئ الوجه البحري لوجدت أن الناس أصبحوا يتحدثوا بمفاهيم اقتصادية كان من الصعب أن تسمعها في السابق سوى في قاعات التدريس الاقتصادي بكليات الاقتصاد والعلوم السياسية أو كليات التجارة، فضلاً عن المعاهد العلمية والمراكز البحثية المتخصصة، فالمواطن اليوم يحرص في صباح كل يوم على متابعة اتجاه سعر صرف الدولار والعملات الأخرى، ومعدلات الفائدة في البنوك ومعدل التضخم الذي يقيس الارتفاع في أسعار السلع والخدمات، فللأسف الشعب أصبح اقتصادي بينما الإعلام لا يزال سياسي الهوى ودرامي المشهد، وسطحي الاهتمام.

وهذه المعادلة الواقعية تفسر بكل وضوح أسباب انصراف الناس عن متابعة "التلفزيون" لصالح "الفيس بوك" وتفضيل الناس لـ "تويتر" على الإعلام الورقي الذي بات رخيص الثمن والمحتوى أيضاً.

لا يمكن للمجتمع أن ينطلق وأن تتوافق الأهداف بين الشعب والحكومة في ظل الافتقار للقناة الصادقة التي تبني جسور التواصل بين الطرفين وفي ظل التخوين لكل من انتقد سياسة حكومية أو أبدى رأيه في استراتيجية منقوصة أو رؤية مغلوطة أو حتى قرار ثبت خطأه .

ووصل الحال الان أن تجد قناة تحارب معركة ليست معركتها واعلامي يهاجم شخص كان يدافع عنه.

على الجميع أن يتكاتف مسئولين ورجال أعمال مالكين لوسائل الإعلام وإعلاميين لتنفيذ أهداف مؤسساتهم بأدوات مهنية، لتخطي هذا الامتحان قبل أن تسحب أوراق الإجابات .

على الرغم من صعوبة المعادلة من حيث التوفيق بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، في ظل اقتسام المجتمع بين فريقين أو أكثر، فريق يرى الأسود ولا يرى غيره، وفريق ثاني يرى الأبيض ويرفض من يرى غيره، وفريق ثالث يرى اللونين ولكن للأسف قد تجد مكانه محدوداً أو غير موجود من الأصل!

يؤلمني كثيراً البذخ في الصرف علي برامج "الحفلات" و"الغناء" و"الرقص"، وتهميش كل برنامج لديه رسالة صادقة وسياسة محترفة، وكأن هذا الوضع بات يمثل الشعب والجمهور المستهدف من هذه البرامج، وبالفعل أثر ذلك كثيراً في اهتمامات الرأي العام وفق السياسة التسويقية الشهيرة القائمة علي "العرض يصنع الطلب".

فلم يكن أحد يتوقع أن يجتمع في "ساندوتش" كل أنواع الحلوى ويطلق عليه "سكلانس" ويتطور ليتم صناعته مغلفاً ويروج في وسائل الإعلام، والدليل على استمرار هذه الصناعة حتى الآن ونجاحها وربحيتها المناسبة هو وجود الطلب عليها واستمراره وفق سياسة العرض يصنع الطلب.

فالماسك على مهنيته اليوم ليس في الإعلام فقط ولكن في أغلب الأعمال أصبح كمن يسير عكس التيار، ليس تحقيراً لأحد ولكن توصيفاً لما رأيته في الواقع الذي نعيشه، فلا أحد يبادر بالعطاء، وأصبح الجميع يسأل ماذا سأحصد؟، قبل أن يتحدث عما هو مستعد لعطاءه، وأصبح الجميع يطالب بتحسين أوضاعه حتى وإن لم يفكر بتحسين أوضاع المكان الذي يعمل فيه من باب مراعاة مكان "أكل العيش"، ناهيك عن القناعة التي تلاشت بانتشار الطمع، وغياب مبدأ "قليل الحلال يكفي".

المسألة باتت صعبة للغاية بل وأصبحت لوغاريتم يستحيل حله بطريقة سهلة، لكون الحل لا يرتبط بالدولة بمفهوم السلطة أو بالمجتمع بمفهوم المشاركة أو بالفرد بمعنى الأمانة أو بالجماعة بمبدأ المصلحة وإنما بكل هؤلاء!

فالتوفيق بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع موضوع تناولته المؤلفات والمجلدات، وعلاقة المجتمع بالدولة موضوع اختلف فيه العلماء، بينما أسلوب عمل الفرد داخل الجماعة شمل آراء كثيرة أقرب إلى الخلاف منه إلى الإتفاق.

ولكن لو شملنا كل هذه المفاهيم في تثقيف الفرد لنفسه وتصويبه لمفاهيمه واتجاهاته دون شخص يلقنه ماذا يفعل أو شيخ ينصحه بأن "قليل الخمر حلال" أو حاكم يأمره بأن يستيقظ مبكراً ويتقن في عمله!.
على الإعلام أن يتخطى أزمة "منتصف العمر"، التي مر بها بعد ثورة يناير بعد عقود كان سباقاً فيها نحو هزيمة نفسه بنفسه قبل أن يهزمه غيره، وأن يستعيد قواعد عمله التي لا خلاف عليها عبر استراتجية شاملة تتبنى القيم العليا واستعادة هذا المجتمع الذي فقد منذ سنوات.

فعندما تهمل القواعد، فكل شيء وارد والخطأ سيكون صحيحا في أحيانا كثيرة!.

وأسوأ مايمكن أن يحدث هو تفكيك قوة الكلمة التي تتلقاها السموات المفتوحة وعصر الاتصالات الرقمية، في تصدير أوهام وخناقات مختلقة هنا وهناك، وتضييع سنوات من الفرص القادمة الضائعة التي يمكن للإعلام فيها أن يساعد في بناء الشخصية المصرية بشحمها ولحمها، واستعادة التوزان واكتساب ثقة الرأي العام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *