أبوبكر الصديق نموذجاً
كتب أموال الغد :
10:42AM 19/03/2017

 (١) المتأمل فى سيرة الصديق (رضى الله عنه) يدرك دون عناء ما كان يتمتع به من خصائص ومقومات، أهلته لكى يلعب أعظم الأدوار المهمة فى تاريخ الأمة؛ منذ بعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - وخلال المشاهد كلها، وحتى بعد انتقال النبى إلى الرفيق الأعلى.. كان كما يقال «نسيج وحده».. وقد شهد الجميع بقدراته وكفاءاته العالية، فضلا عن وفائه وعطائه وتضحياته.. تكفيه شهادة النبى الأعظم: «ما لأحد عندنا يد وقد كافأناه، ما خلا أبابكر فإن له يدا يكافئه الله بها يوم القيامة» (الترمذى).. وبعد وفاته بسنوات، خطب الفاروق عمر فى الناس، وكان مما قاله: «وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبى بكر»، أى كالفرس الجواد الذى لا يلحقه أحد.. ففى الوقت الذى يكون فيه الناس فى ذهول وتردد وتراجع من أهوال المواقف التى يمرون بها، يظل الصديق منتبها، متيقظا، رابط الجأش، قوى العزم، وثابت الجنان.. كان إقدامه وبسالته مضرب الأمثال، خاصة فى الظروف المزلزلة، والفتن المحيرة.. وقد روى عن أم المؤمنين عائشة (رضى الله عنها) أنها قالت: لما قُبض رسول الله (ص) ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق، والله لقد نزل بى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (أى لكسرها)، وصار أصحاب محمد (ص) كأنهم معزى مطيرة فى حش فى ليلة مطيرة بأرض مسبعة (أى كثرت بها السباع). فوالله ما اختلفوا فى نقطة إلا طار أبى بخطلها وعنانها وفصلها (البداية والنهاية لابن كثير، ٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥)..

  (٢) كانت أول أعمال الصديق بعد أن بُويع بالخلافة وآلت إليه مسؤولية قيادة الدولة، هى الإصرار على إنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى بلاد قضاعة (ملك ما بين الحجاز والشام والعراق) بنفس الشكل والكيفية التى أرادها النبى (ص) قبيل وفاته، ولم يثنه عن ذلك ما حدث فى البلاد من اضطرابات.. وشاء الله تعالى أن يتم «أسامة» المهمة على أفضل ما يكون، ويعود إلى المدينة ظافرا.. فى مؤلفه القيم «إتمام الوفاء فى سيرة الخلفاء»، يقول الشيخ الخضرى: «كان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعا للمسلمين؛ فإن العرب قالوا: لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش، فكفوا عن كثير مما كانوا عزموا عليه».. وهذا قول يجب أن نتدبره ونقف عنده طويلا، إذ لابد أن يعلم الأعداء المتربصون بالدولة، أنها قوية وقادرة على أن تردع كل من تسول له نفسه مجرد التفكير فى الاعتداء عليها أو فى النيل من أمنها القومى.. وفى هذا يقول المولى تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم» (الأنفال: ٦٠).. والحقيقة أن القيادة الراشدة هى التى تعمل على امتلاك المعلومات الكاملة والشاملة، الصحيحة والسليمة، وبشكل مستمر ودائم، عما يفكر فيه أو يخطط له أعداؤها، حتى إذا قرروا الاعتداء، تكون هذه القيادة جاهزة ومستعدة لرد أى عدوان..

(٣) وقد روى ابن سعد بسنده، عن عروة بن الزبير، قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد بعث أسامة وأمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء (شرق الأردن)، فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون، وقد عسكر بالجرف، فاشتكى رسول الله (ص) وهو على ذلك. ثم وجد من نفسه راحة، فخرج عاصبا رأسه، فقال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، ثلاث مرات. ثم دخل النبى (ص) فاستعز به، فتوفى رسول الله». (الطبقات الكبرى، ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩).. وقال الحافظ بن حجر: «ثم اشتد برسول الله (ص) وجعه، فقال: «أنفذوا بعث أسامة» (فتح البارى ٨/ ١٥٢).. وفى كتابه (العواصم من القواصم)، يقول القاضى أبوبكر بن العربى: «وقال أبوبكر لأسامة: أنفذ لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشا أنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم».. وعن أبى هريرة (رضى الله عنه) قال: «فاجتمع إليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا أبا بكر، رد هؤلاء.. توجه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذى لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله.. فوجه أسامة» (البداية والنهاية لابن كثير، ٦/ ٣٠٥)..

(٤) إن صنع النصر يتطلب قيادة تتمتع بقدر عال من الشجاعة والبسالة والإقدام، ولديها القدرة على اتخاذ القرار المناسب فى الوقت الصعب.. كما يتطلب أيضا قيادة تتميز بالصبر والحلم والعقل والحكمة والكياسة والفطنة وحسن التدبير، إضافة إلى الأناة فى غير إبطاء والحماسة فى غير تهور أو اندفاع.. إنها القيادة التى يتوافر لديها الوعى الكامل بقدراتها وإمكاناتها، فضلا عن معرفتها وإحاطتها بمكامن القوة والضعف عند العدو.. وهى أيضا القيادة الموصولة بالجند؛ تعيش معهم كأنها واحد منهم، تعمل على رفع روحهم المعنوية، وتمدهم بوصاياها، وتوضح لهم الأهداف الجليلة التى يسعون إليها، وهكذا.. ومن عجب أن الصديق خرج يشيع أسامة بنفسه ماشيا وأسامة راكب، فقال: يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن، رد قائلا: والله ما نزلت ولا ركبت، وما علىّ أن أغبّر قدمى ساعة فى سبيل الله.. فهل قرأنا فى التاريخ رئيس دولة يصنع صنيعه؟ هذه - لعمرى - تربية النبوة التى ترفع صاحبها فوق النفس والشهوات.. (وللحديث بقية إن شاء الله).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *