” أموال الغد ” يطرح سيناريوهات تحرك الجنيه في 2017
كتب سيد بدر :
2:26PM 18/03/2017

استمرار تحسن الجنيه خلال 2017 مرهون بعودة السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة

القروض الخارجية وبيع العملة في البنوك واستثمارات الأجانب في أدوات الدين العوامل الأكثر دعمًا للعملة بعد التعويم

استثمارات الأجانب في أذون الخزانة انخفضت 80% بعد ثورة يناير.. وارتفاعها لا يمثل داعمًا قويًا للعملة على المدي الطويل

توقعات بنوك الاستثمار لمستوى العملة يرتفع في النصف الثاني من 2017 لـ18.5 جنيه

فتح باب العمرة واقتراب شهر رمضان يدفعان لزيادة الضغط على الدولار خلال الشهور المقبلة

 

يبدو أن فصول قصة الجنيه والدولار والصراع الذي بدأ مع اندلاع ثورة يناير 2011 لم تنته بعد، حتى بعد تعويم العملة المحلية في الثالث من نوفمبر 2016 ورفع المركزي يده عن التحكم في سعر الصرف تمامًا مقابل تحكم آلية العرض والطلب، وترك عملية إدارة سعر الصرف للبنوك عبر سوق الانتربنك.

رغم مرور نحو 4 أشهر على إعلان التعويم الكلي الأول في مصر وحديث المصرفيين بأن التذبذب في السوق سيستمر 3 أشهر على الأكثر، إلا أن مستقبل العلاقة بين العملة المحلية والأمريكية لازال غامضًا بناء على التوقعات المتباينة التي تصدر عن تقارير محلية وخارجية بجانب المؤشرات الاقتصادية التي تتحكم في جزء كبير من تحركات العملة في مصر، فسعر الدولار حاليًا يستقر في أغلب البنوك فوق الـ18 جنيه بعد تحقيقه مستويات متدنية عن الـ16 جنيه تعتبر الأقل منذ التعويم وتذهب المؤشرات وتوقعات المحللين ومسئولي شركات إلى استمرار ارتفاعه خلال الفترة المقبلة .

وتأتي هذه التوقعات بالتزامن مع تصريحات جريئة من طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، حول استمرار المستوى المنخفض للدولار أمام الجنيه، وعدم عودته للمستويات القياسية التي حققها عقب تعويم العملة المحلية، وبحسب محافظ المركزي فإن سعر الصرف لن يكون محط اهتمام المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة .

في هذا التقرير يستعرض مجلة "أموال الغد" عدد من العوامل الحقيقية التي من المؤكد تأثيرها على سعر صرف العملة المحلية خلال العام الجاري، وفقا لما طرحته بنوك استثمار ومؤسسات مالية دولية وكذلك وفقا لسيناريوهات تحرك القطاعات الاقتصادية الحيوية في مصر خلال العام الجاري .

عوامل تدعم صعود العملة الأجنبية في 2017

قبل تعويم العملة المحلية شرعت مصر في سياسة واضحة نحو تقليل هادر العملة الأجنبية بخفض الواردات من الخارج والتي وصلت لمستويات قياسية لامست الـ90 مليار دولار، وهو ما ساهم بشكل كبير في تخفيف الطلب على العملة الأجنبية بجانب زيادة تكلفة السلع المستوردة بعد التعويم و خفف الضغوط بنسبة جيدة عن الدولار في البنوك، إلا أن هذه الاستراتيجية لم يصحبها تحسن ملحوظ على مستوى إيرادات قطاع السياحة، الداعم الأكبر للعملة قبل ثورة يناير، والاستثمارات الأجنبية المباشرة وكذلك إيرادات قناة السويس .

وجاء الدعم المباشر للعملة المحلية بعد التعويم من القروض التي تلقاها البنك المركزي المصري والتي ساهمت في ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لنحو 26 مليار دولار، عبر حصيلة سندات دولارية بنحو 4 مليارات دولار وزيادة استثمارات الأجانب في أذون الخزانة وسوق الأوراق المالية، وكذلك الحصول على تمويلات بنحو 13.7 مليار دولار لسد الفجوة التمويلية للعام المالي الجاري، هذا بجانب ارتفاع وتيرة بيع العملة في البنوك والتي وصلت لنحو 13 مليار دولار.

غير أنه حتى الآن يعاني قطاع السياحة من انخفاض شديد في مستوى الدخل فبعدما كان القطاع الداعم الأكبر للعملة بأكثر من 10 مليارات دولار سنويًا أصبح أعلى مستوى للقطاع عقب الثورة هو 6 مليارات دولار فقط وهو ما مثل أحد الضغوط على الجنيه، ولكن إذا أسفرت الجهود الحكومية لعودة السياحة خلال العام الجاري عن تحسن إيجابي سيساهم القطاع بشكل كبير في زيادة قيمة الجنيه.

وتسعى الحكومة حاليًا إلى التوصل لاتفاق مع الجانب الروسي لعودة الرحلات والتي لازالت غائبة رغم خضوع المطارات المصرية لحملات تفتيش متتالية من الجانب الروسي للاطمئنان على إجراءات التأمين، وكان آخر تصريح في هذا الشأن من وزير النقل الروسي، مكسيم سوكولوف، والذي توقع إبرام اتفاق التعاون في مجال الطيران المدني بين موسكو والقاهرة، خلال الشهر الجاري تمهيدًا لعودة السياح الروس والذين يتجاوز عددهم الـ3 ملايين سائح سنويًا لمصر يمثلون نحو 50% من السياحة الوافدة، لافتًا إلى أن الخبراء الروس سيقومون بحفض أمن آخر لمطارات شرم الشيخ والغردقة والقاهرة .

ومنذ 18 شهر تحديدًا في أكتوبر 2015 سقطت أو أسقطت طائرة روسية كانت تقل أكثر من 200 سائح في جنوب سيناء وهو الأمر الذي توقفت على إثره السياحة الروسية حينها، كما بادرت عدد من الدول بوقف رحلاتها لجنوب سيناء تخوفًا من أي عمليات أخرى مشابهة .ومن المؤشرات الإيجابية التي تخدم قطاع السياحة قائمة بلومبرج لأفضل 20 وجهة سياحية في 2017 والتي وضعت مصر في المرتبة 12 ضمن البلدان التي نصحت قرائها بالتوجه إليها خلال العام الجاري .

وعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة تأخرت الحكومة كثيرًا في إقرار قانون الاستثمار الذي ينتظره مجتمع الأعمال منذ مؤتمر القمة الاقتصادية الذي عقد في مارس 2015، إلا أنه حاليًا في مراحله النهائية حيث يناقش من قبل مجلس النواب، وفي حالة إقراره خلال العام الجاري قد يكون له أثر ولو بسيط على تحسن قيمة العملة من خلال التدفقات الأجنبية التي تنتظر رؤية أوضح لسوق الاستثمار في مصر.

وفي التعديل الوزاري الأخير دمجت الحكومة وزارتا الاستثمار مع التعاون الدولي تحت قيادة الدكتورة سحر نصر والتي قامت بنشاط كبير زاد من أسهمها لدى الحكومة ومؤسسة الرئاسة، الأمر الذي قد يحرك المياه الراكدة في ملف الاستثمار خلال الفترة المقبلة .

ورغم كثرة التدفقات النقدية الدولارية عبر القروض واستثمارات أذون الخزانة بعد التعويم إلا أن الحكومة لم تتحدث عن تحسن ملحوظة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي لازالت عند مستويات لا تليق بالفرص المتاحة في السوق المحلية، وسجلت نحو 6.9 مليارات دولار في العام المالي 15/2016، وحققت 1.8 مليار دولار في الربع الأول من العام المالي الجاري .

وعلى صعيد التوقعات المحلية توقع بنك الاستثمار فاروس أن يتحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار بين 14-15 جنيهاً، خلال 2016-2017، بدغم بارتفاع الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي إلى 24.3 دولار بنهاية ديسمبر، مع زيادة التدفقات النقدية داخل النظام المصرفي بفعل زيادة استثمارات الأجانب بالبورصة وسندات الخزانة، والتي من شأنها تعزيز الشعور الإيجابي، كما توقع بنك الاستثمار بلتون تراجع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه بالسوق المحلية، خلال العام المالي الجاري "2016-2017"، إلى مستويات 5. 15 جنيه، بدعم من التدفقات النقدية المتوقعة، وتراجع الطلب على الدولار، نتيجة تراجع الواردات.

وماذا لو خسر الرهان على السياحة والاستثمارات الأجنبية؟

الحديث حول تحسن السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة مرهون بتحركات حكومية أكثر جدية ونشاطًا مقارنة بما حدث في الفترات الماضية ورد فعل سريع من العالم الخارجي ولكن ما هو مصير العملة المحلية في حالة استمرار ركود القطاعين الأكثر أهمية خلال العام الجاري .

الاستثمارات الكبيرة من العملاء الأجانب في أذون الخزانة والبورصة المصرية رغم تأثيرها الإيجابي على سوق الصرف إلا أنها لا يعول عليها كثيرًا خاصة وأنها تدفقات تعتمد على الربح السريع ولا تحكمها ضوابط معينة حول استمرارها لفترة في السوق المصرية، فإذا قررت هذه الاستثمارات الخروج في الحال من السوق المحلية سيكون لزامًا على المسئولين ردها وهو ما سيحدث أثرا عكسيًا على سوق الصرف.

وبالنظر إلى تحرك أموال الأجانب في أذون الخزانة الحكومية نجد أنها سجلت 57.71 مليار جنيه في يناير 2011 ما قيمته 9.62 مليارات دولار بسعر الصرف السائد حينها إلا أنها وبمجرد قيام الثورة عرفت طريقها نحو الخروج من مصر بضغط التحول السياسي لتتراجع في نوفمبر من العام ذاته إلى 11.5 مليار جنيه ما قيمته 1.91 مليار دولار بانخفاض نسبته 80% .

وواصلت أموال الأجانب الساخنة في أذون الخزانة آداءها المتباين وفقا لظروف الدولة طوال السنوات الماضية لتسجل 922 مليون جنيه في أغسطس 2016، وترتفع في شهر التعويم لنحو 7.8 مليارات جنيه مستغلة التراجع الكبير لسعر العملة المحلية أمام الدولار، وإن دلت هذه المؤشرات على شىء فإنما تدل على تفكير أصحاب هذه الأموال ومدى قدرتها على الإضرار بسعر الصرف بشكل أكبر من الفائدة التي حققتها للسوق، وبالمثل أموال البورصة التي تدخل وتخرج بشكل يومي .

وقد يعزز من تحرك هذه الأموال نية البنك المركزي الأمريكي بزيادة أسعار الفائدة لـ3 مرات خلال 2017، بعد زيادتها خلال ديسمبر الماضي بمقدار 25 نقطة في كل مرة، لتصل إلى 0.75%، مع توقعات تحسن مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، وهو الأمر الذي يمثل حافزًا لهروب الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة ومن بينها مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا الصدد قالت بلومبرج إن شهر عسل العملة المحلية المصرية قارب على الانتهاء فبعد دخول تدفقات دولارية كبيرة من المستثمرين الأجانب حسنت آدائها في الشهور التالية على التعويم، إلا أن توجهات هؤلاء المستثمرين بدت متراجعة في بعض الأوقات بتحذيرات من مؤسستي "رينيسانس كابيتال" و"ستاندرد بانك" وصناديق أجنبية اشترت في أذون الخزانة المصرية، بأن الجنيه ربما ارتفع بشكل أبعد من المتوقع وهو ما يجعهل خطاهم نحوه أكثر حذرًا .

هذا بالإضافة إلى الأعباء الملقاة على عاتق البنك المركزي المصري لرد ديون خارجية خلال العام الجاري حيث أعلن محافظ المركزي أن مصر مطالبة بسداد ديون بنحو 8 مليارات دولار خلال 2017، الأمر الذي يعكس الضغط الذي يواجه الاحتياطي النقد الأجنبي، ويدعم من هذا التواجه ما قاله صندوق النقد الدولي في وثائق الاتفاق مع مصر حول عدم حصول مصر على وعود لسد الفجوة التمويلية للعام المالي المقبل 17/2018 حتى الآن .

وتوقعت الوثائق ارتفاع الدين الخارجي لنحو 66 مليار دولار بنهاية يونيو المقبل و82.3 مليار دولار بنهاية يونيو 2018، ثم 94.9 مليار دولار بنهاية يونيو 2019، كما سترتفع الأعباء على المركزي لسداد هذه الديون إلى 5.8 مليارات دولار في 16/2017، وتصل لنحو 10.5 مليارات دولار حتى العام المالي 19/2020 .

على جانب آخر قررت وزارة السياحة فتح الباب لحجز رحلات عمرة رجب ورمضان بعد أشهر من توقفها وهو الأمر الذي سيزيد الطلب على العملة الأجنبية بلا شك خاصة وأن الدولة لم تحدد أعدادًا معينة للمسافرين، هذا بالإضافة إلى أن شهر رمضان يعتبر من أكثر شهور العام التي يستهلك فيها المصريون كافة السلع خاصة الغذائية منها الأمر الذي بالتأكيد سيرفع فاتورة الواردات خلال الفترة المقبلة وبالتالي تكون عاملا عامًا أمام زيادة قيمة الدولار .

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إنفاق المصريين على السلع الغذائية في رمضان تتراوح ما بين 30 - 35 مليار جنيه وفي ظل سوق استهلاكي بنسبة كبير فإن حجم الواردات من المتوقع لها الارتفاع خلال الفترة المقبلة.

وتفسر هذه التحركات على مستوى الاقتصاد الكلي التوقعات التي أوردها بنك الاستثمار بلتون أحد أكبر بنوك الاستثمار في مصر حول تحركات سعر الصرف في النصف الثاني من عام 2017، حيث توقع ارتفاع العملة الأمريكية لنحو 18.5 جنيه في النصف الثاني من عام 2017، ليصل إلى 21 جنيه في العام المالي 17/2018 .

أهمية التدفقات طويلة الأجل

ويؤكد خبراء ومحللون أن التدفقات طويلة الأجل بجانب الموارد الذاتية للدولة هي التي يمكن التعويل عليها في تحقيق الاستقرار المنشود في سوق الصرف، وبالتالي تحتاج الحكومة للعمل بشكل أسرع على تهيئة المناخ للاستثمارات الأجنبية من ناحية، وإصدار الحوافز الجاذبة لمزيد من تحويلات المصريين في الخارج، بجانب العمل على عودة قطاع السياحة وزيادة الصادرات وسرعة العملة على محور تنمية القناة الذي يدعم حركة المرور بالمجرى الملاحي الذي يشهد تذبذبًا في إيراداته رغم افتتاح التفريعة الجديدة في أغسطس 2015، بدلا من الاعتماد على الأموال الساخنة سواء في البورصة أو استثمارات أذون الخزانة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *